روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

148

مشرب الأرواح

الفصل التاسع والأربعون : في مقام الوصل حصول مشاهدة الحق بغير معنى الالتباس بوصف الدنو وإدراك لطف القرب مع الفرح باللّه وبقائه هو الوصل وغاية تنعم العاشق هو هذا المقام ، قال السراج : لحوق الفائت هو الوصل . قال يحيى بن داود : من لم يتغمض عينه عن النظر إلى ما تحت العرش لم يصل إلى ما فوق العرش ، وقال بعضهم : إنما حرموا الوصول إليه لتضييع الأصول ، وقال يحيى بن معاذ : العمال أربعة : تائب وزاهد ومشتاق وواصل ، فالتائب محجوب بخوفه ، والزاهد محجوب بحبه ، والمشتاق محجوب بحاله ، والواصل لا يشغله عن الحق شيء فلا يحجبه ما هو دونه ، وقال أبو سعيد القرشي : الواصل الذي يصل إلى اللّه فلا يخشى عليه القطع أبدا ، وقال أبو سعيد الخراز : الواصل الذي ظفر بحبيبه مع ذهاب الأسف على كل كائن يفوته ، نومه مثل يقظته ويقظته مثل نومه وحركته مثل سكونه وسكونه مثل حركته فصار فعله لا فعل وصار هو لا هو ، غائب حين يحضر : وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى [ طه : 47 ] ، وقال فارس : الوصل أن لا يشهدك الحق غيره ، قال الجنيد : الواصل هو الحاصل عند ربّه ، قال العارف قدّس اللّه روحه : الوصل دوام نظر الروح إلى جمال الحق بنعت الوجد والحال بلا كلفة الأفعال في زمان الوصال إلا جريان تقدير بغير علة . الفصل الخمسون : في الفصل إلى هاهنا سير العاشق في العشق فإذا وصل عرّفه الحق جلّ جلاله تنزيه القدم الذي هو غير مدرك بالعقول والأوهام فيعرف أنه مخدوع بالوصل مغمور بالفصل ، وهذا شمة من شمامات المعرفة وعبقة من نفحات التوحيد لأن الوصل عندهم محال ومن يصل بنعت الحدثية إلى إدراك جلال القدم والحدثان محلّه في أول باد يبدو من سطوات قهر أزلياته وأبدياته ، قال اللّه تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ الأنعام : 91 ] ، ألا ترى إلى قول جبرائيل عليه السلام للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ليلة المعراج : « لو دنوت منه أنملة لاحترقت » والعاشق إذا عرف ما ذكرنا سقط عنده قدر نفسه عند قدر اللّه ، قال الشبلي : من زعم أنه واصل فليس له حاصل ، قال السراج : الفصل قوت الشيء الموجود من المحبوب ، قال بعضهم : فرح الاتصال ممزوج بترح الانفصال ، وقال القائل : فلا وصل ولا فصل ولا يأس ولا طمع ، قال الجنيد : يتصل به من أوصله بقدر ما خصّ به وإلا فليس بينه وبينهم سبب ولا نسب ولا وصل ، قال الآخر : الفصل أن يشهدك إياك وإن كنت قائما ، قال الواسطي : من وصل انفصل من نعت الأسفار ومن تمكن انفصل عن نعت الواصلين ، قال العارف قدّس اللّه روحه : الفصل فناء العارف العاشق في اللّه باللّه عن اللّه .