روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
146
مشرب الأرواح
ما نظرت إلى شيء إلا ورأيت اللّه تعالى فيه ، قال النوري : حسنت المستحسنات بتجليه وقبحت المستقبحات باستتاره ، وقال العارف قدّس اللّه روحه : رؤية المستحسن تقتضي علم مقام عين الجمع ومقام عين الجمع بعد إفراد القدم عن الحدوث ظهور القدم في الوجود . الفصل السابع والأربعون : في أصل العشق افهم أن أصل العشق على ثلاث مراتب : عشق الإنساني ، وعشق الروحاني ، وعشق الرباني . أما عشق الإنساني : فهو أول العشق ، وعشق الإنساني مرقاة عشق الروحاني ، وعشق الروحاني مصعد عشق الرباني ، وقد يظهر لمن له صفاء في جوهره ولطافة في جسمه وظرافة في هيكله ورقة في طبعه وخفة في روحه ونور في سره وقدس في فطرته ، فإذا كان كذلك يقبل عشق من له جمال وحسن وكمال وخلق لأن فطرته انجذبت إلى طلب معادن الحسن ، وذلك مزين بحسن المبدع الذي أجاد كل ذا حسن بحسنه ، فإذا قبل عشقه من جهة حسن الإنسان المودع في آدم عليه السلام من حسن الأزل يرتقي بالتدريج إلى عشق الروحاني الذي يتقدح من زند الأرواح في معادن حسن الأزل حين ظهر لها الحق بنعت الجمال والحسن في إيجادها بجميع مباشرة الصفات والذات بنعت تجلي الحسن والجمال ، فلما كمل الإنسان في هذين الرتبتين وصار مربّى بالعشقين ينكشف له جمال الحق سبحانه وينسلخ من جميع رسوم العشق ، وصار عاشقا بوجه اللّه تعالى ويوافق عشقه عشق السابق في الأزل في حقه من الحق سبحانه ، وذلك معنى قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ، وقال عليه السلام : « قال اللّه تعالى إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي جعلت شهوة عبدي في مسألتي ومناجاتي ، وإذا كان كذلك عشقني عبدي وعشقته ، فإذا كان كذلك وأراد عبدي أن يسهو عني حلت بينه وبين السهو عني ، أولئك أوليائي حقا أولئك الأبطال أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة زويتها عنهم لأجلهم » « 1 » ، وعشقه لا يكون إلا بظهور عشق اللّه فيه مع بروز عين صفة الجمال ، ولذلك قيل إن داود عليه السلام عشق اللّه ، وقال العرب إن محمدا عليه السلام قد عشق ربّه ، ونحن فرضنا أن العشق الحقيقي الإلهي لا يكون إلا بعد انفلاق صبح المشاهدة بوصف الحسن والجمال وظهور جلال نور عشق الأزل فيه ، وهذا الغاية القصوى من درجات الدنو والحضور في مشاهدة أنوار القدم .
--> ( 1 ) رواه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء ، ترجمة صالح بن بشير المري [ 6 / 165 ] .