روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

123

مشرب الأرواح

غربة أسراره في قفار الديمومية وصحاري الأزلية ، قيل : إن اللّه يحب أنين العارفين ، وفي الحديث : « إن اللّه سبحانه يسمع أنين أوليائه ويباهي به أهل ملكوته » ، قال العارف : أنين المشتاق صفير روح العاشقة في حبس المحبة . الفصل الثاني والثلاثون : في البكاء أخص وصف المشتاقين البكاء وهو عرق قلب المشتاق إلى جمال المشوق ، وله أصل ، وذلك من تأثير حرارة الروح من أنوار التجلي ، وهو علامة كل مقام في المعرفة فعلى قدر كشف الصفات يكون البكاء ولا نهاية لكشف الصفات فإذا لا نهاية لبكاء المشتاقين ، من مشتاق يبكي من رؤية العظمة ومن مشتاق يبكي من رؤية كشف الجمال والجلال أو القدم أو البقاء أو من سماع الخطاب أو من كشف الحجاب من عيون بحار الذات ولا يحصى عدد هذه المقامات فإنها كشوف الأزلية وهدايا السرمدية ، ولا يعرفها إلا أهل الشوق والمعرفة . قال تعالى : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [ المائدة : 83 ] ، وقال عليه السلام في بعض دعائه : « اللهم ارزقني عينين هطالتين تبكيان من خشيتك » « 1 » وضع عليه السلام حقائق البكاء على محل العلم باللّه فإنه أشرف المراتب في المقامات والبكاء منها أجلى البكاء لأن صاحبها وقع في رؤية العظمة والكبرياء والجلال ، وهذه الصفات ليس فيها خفاء البشرية في مباشرة حلاوتها قلوب الطائرين إليه بأجنحة الشوق والبكاء ، قال العارف : البكاء من المشتاق المتحقق في شوقه بكاء منه به له عليه ، قال السراج رحمة اللّه عليه : البكاء طيران الأرواح إليه بالحنين . الفصل الثالث والثلاثون : في التأوّه هذا وصف صاحب حال له قلب قلق حزين مملوء من المحبة والشوق ، فإذا غلب عليه تعذيب دلال المحبة من طول الفراق ونيران الأشواق ويضيق صدره من عظم ركوب برحاء « 2 » سطوات العظمة ويذوب قلبه من تواتر كوارث تجلي الصفات ،

--> ( 1 ) رواه ابن رجب الحنبلي في التخويف من النار ، الباب الثاني والعشرون في ذكر بكاء أهل النار . . ، [ 1 / 148 ] ورواه الطبراني في الدعاء ، باب ما كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يدعو به . . ، حديث رقم ( 1457 ) [ 1 / 429 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) البرحاء : الشّدّة والمشقة ، وخص بعضهم به شدة الحمى ، . . ويقال للمحموم الشديد الحمّى : أصابته البرحاء .