روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

109

مشرب الأرواح

[ المجادلة : 11 ] ، إذا دنا بدنو اللّه يفنى المحب مع الدرجات ولا يبقى إلا الحق المنزّه عن العلات ، قال العارف : درجة المحب في الحقيقة حبّه وليس للحب خذلان المحبوب غير محدود . الفصل الثامن والثلاثون : في مقام المناجاة إذا ذهب عن ساحة الصدر غبار النفس والشيطان ولوث الخطرات المذمومة وصار القلب صافيا بصفاء الذكر وهاج من صحراء صحن الملكوت نسائم أنوار الجبروت إلى قلوب المحبين من روزنة الغيوب ، وباشر لطائف التجلي اللطيفة القدسية والفطرة الأولية بوصف الحلاوة ، وخاطب لسان الوصل الخفي الأزلي فؤاد المكتبين في المحبة الخالصة بأسرار القرب ، يهيج صميم أسرار المحبين إلى قوام القدم ويتعرض إلى نفحات بساتين المشاهدة ويصغى أسماع الخاصة محادثة اللّه سبحانه وسمع مناداة الحق ونجواه مع لطيف خطابه وحقائق كلام القديم وتطيب بطيب مناجاته ولذائذ كلامه وما تظهر من الحق خصائص محبته وشوقه إلى وصال المحبين ، فيناجي اللّه سبحانه وتعالى بغرائب النجوى ، وتظهر منها عجائب الشكوى فيعرض إليه حوائجها في المحبة والشوق فيجري بينها وبين اللّه تعالى أسرار لا تطلع عليها أهل الملكوت ، وهي بذاتها مقامات لا يعرفها إلا أهلها وهذا معروف بين الأحباب ، ألا ترى كيف قال تعالى في وصف كليمه عليه السلام : وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا ( 52 ) [ مريم : 52 ] ، قال بعض العارفين : ما أطيب مناجاة المحبين مع حبيبهم ، قال العارف : المناجاة نتيجة الافتقار إلى كنوز مشاهدة الملك الغفار . الفصل التاسع والثلاثون : في المودة إذا صفا الحب عن حظ المحب من المحبة ، وقران المحب بلاء الحب وخرج عن امتحان بنعت تقديس العبودية ، ووصل مشهد الأنس ورشح في قلبه عروق المعرفة ، تنقل من مقام المحب إلى مقام الودّ ويصير متمكنا في أحكام ما تجري من الربوبية عليه ، ولا يحتجب بامتحانها ويصل حبل الاصطفائية الأزلية إلى عروة عناية الأبدية ، ويعرف صاحب الود من الحق مقام ودّه في ودّ الأزل يجرّ أذيال هممه إلى مقام الأمن في اليقين فلا تنكسر زجاجة أسراره وقوارير حقائقه على أحجار القهريات فيعيش بعيش الصفات ويغيب عنه بها في عين الذات وإذا كان كذلك فقد بلغ إلى نهاية الحب الذي حقائقه الود ، قال السراج رحمة اللّه عليه : الحب فيه قرب وفيه بعد والودّ لا فيه قطع ولا بعد ولا قرب وأيضا قال : الودّ وصل بلا مواصلة لأن الوصل