محمد بن المنور الميهني
91
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
معروفا أنه لم يكن في الخزانة رغيف واحد . ولم أكن أعرف في نيسابور جميعها من اجترئ عليه بطلب درهم واحد ؛ إذ أن الجميع كانوا قد تغيروا بسبب هذه الشائعات . ولم أجرؤ أن أقول للشيخ من أين أهيئ هذا . فخرجت من عنده ، وكانت الشمس قد مالت إلى الغروب ، ووقفت متحيرا على رأس محلة عدنى كويان لا أدرى ما ذا أصنع حتى انقضى النهار ، واصفرت الشمس وغربت . وكان الناس يغلقون حوانيتهم ، ( ص 79 ) ويتوجهون إلى منازلهم . وحانت صلاة العشاء وغم الظلام ، ورأيت رجلا في نهاية السوق يسرع عائدا إلى منزله ، فرآني واقفا ، فقال لي : يا حسن ، ماذا دهاك حتى جعلك تقف حائرا هكذا ؟ مرني بحاجة أو خدمة . فأخبرته بالقصة ، وبما أمر به الشيخ ، وقلت له انني لا أعرف لهذا الأمر مخرجا ، وسأظل واقفا هكذا حتى الفجر ، إذا دعا الأمر ، إذ لا سبيل أمامى لعودة . ففتح ذلك الشاب كمه في الحال وقال لي : ادخل يدك في كمي وخذ ما يلزمك ، وانفقه على نحو ما أشار الشيخ . فوضعت يدي في كمه ، وأخذت حفنة من الذهب الأحمر . وارتاح قلبي وأثنيت عليه واتجهت للعمل وأعددت كل ما أمر به الشيخ . وكأن يدي كانت ميزانا لما قاله الشيخ ، فقد أعددت هذا كله بحيث لم ينقص درهم ، ولم يزد درهم وأتممت ذلك كله في تلك الليلة ، وذهبت في الوقت المعين ، وأخذت الحبال ومددت المائدة في المسجد الجامع على النحو الذي أشار به الشيخ . وحضر الشيخ مع الصوفية . واشتغل كثير من الناس بالنظر إلى هذا ، وحملوا الخبر إلى القاضي صاعد والأستاذ أبى بكر أن الشيخ قد أعد وليمة للصوفية في المسجد الجامع . فقال القاضي صاعد : اتركوهم لينعموا اليوم ويأكلوا الرؤوس المشوية فغدا سوف تأكل الغربان رؤوسهم . وقال أبو بكر إسحاق : اتركوهم يشحمون اليوم بطونهم لأنهم سوف يشحمون المشنقة غدا . ووصل هذا الخبر إلى آذان الصوفية فاغتم