محمد بن المنور الميهني

63

أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد

من التفكير في هذا ولم أنم حتى الفجر . وفي الغداة خرج الشيخ فسألته : أيها الشيخ ، ماذا ألم بك بالأمس مما جعلك تتأوه هكذا ؟ . فقال الشيخ : رأيت بالأمس كتابا في يد أحد العلماء فأخذته منه وقرأت فيه وقد عوقبت طوال ليلة الأمس بألم في أسنانى ، وقيل لي لماذا تعود إلى ما طلقت ؟ ] « 1 » قال الشيخ : قال لي ذلك القصاب الشيخ : لن تصير عبدا ما لم تحرر نفسك ، ولن تجد الجنة ما لم تصلح وتنصح الأجير : قوله عز وجل « جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » . قال الشيخ : لقد حلت واقعتنا بقول ذلك الشيخ . وبعد ذلك رحل الشيخ عن نسا وقصد آمل عند أبي العباس القصاب ، ولبث معه عاما . ( جاء هذا في رواية وهي أكثر صحة ، وفي رواية أخرى أنه أقام هناك عامين ونصف وهذه الرواية أضعف ) . وكان للشيخ أبى العباس القصاب زاوية في خانقاهه على شاكلة الحظيرة اعتكف فيها واحدا وأربعين عاما بين الجماعة ، وكان إذا ما أكثر أحد الدراويش من الصلاة في الليل قال له : « نم يا بنى فإن ما يفعله شيخك إنما يفعله من أجلك فلا فائدة له فيه ولا حاجة له إليه ، غير أنه لم يقل هذا قط للشيخ أبي سعيد خلال المدة التي قضاها عنده . وكان الشيخ يصلى طوال الليل حتى الصباح ويصوم دائما . وقد أعطى الشيخ أبو العباس شيخنا زاوية في مواجهة حظيرته ، وكان أبو سعيد يقيم فيها ويمارس أنواع المجاهدات والرياضة ، ويثيت عينيه دائما على ثقب بالباب ، ويراقب أحوال الشيخ أبى العباس . وفي يوم من الأيام كان الشيخ أبو العباس قد احتجم ، وفي تلك الليلة انزلق الرباط عن يده فانفتح العرق وأدمى ولوث يده وثوبه فخرج من الحظيرة ولما كان الشيخ أبو سعيد ( ص 51 ) يراقب أحواله دائما فقد خرج مسرعا من زاويته وغسل له يده وربطها وأخذ ثوب القصاب وأعطاه ثوبه وارتدى ثوبا قديما ، وغسل ثوب أبى العباس

--> ( 1 ) ما بين القوسين استطراد يستكمل بعده القصة ص 61 .