محمد بن المنور الميهني
436
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
وتقدمت إلى الضريح في بطء ، وفتحت الباب . وعندما سمع صرير الباب ، رفع رأسه ، فألقيت عليه التحية ، فنهض لتحيتى ، وعانقنى . وجلست إليه ، وسألته عن حاله . وبرغم أنه لم يقل شيئا ، فقد أدركت أنه وصل عند صلاة العشاء ، ولم يكن هناك من يعتني به ، وبقي في ذلك المكان ( ص 389 ) مستيقظا طوال الليل . فوضعت الخبز والبيضة أمامه في الحال ، وآثرته على نفسي ، وكنت آكل معه قليلا على سبيل المجاملة وأخدمه . وبعد أن فرغ من الطعام ، غسل يديه وجدد وضوءه ، وصلّى ركعتين ، ولبس نعله ، وودعني وذهب . وأمضيت اليوم دون طعام أيضا ، ولكنني لم أشعر بالجوع بسبب ما بعثته صحبة ذلك الدرويش في نفسي من الراحة . ولما عدت إلى القلعة عند صلاة العشاء كانوا قد أعدوا طعاما لا يناسبني فلم أستطع أكله ، وكانوا قد اعتمدوا على أني أكلت شيئا ، ونمت جائعا في تلك الليلة وفي صباح اليوم التالي ، ذهبت كعادتي إلى الضريح بعد الصلاة ، وفتحت الباب ، ودخلت ، وقمت بواجبى . ورأيت في المكان الذي يخلع فيه الناس أحذيتهم في مواجهة قاعدة قبر الشيخ جرة جديدة ، زرقاء اللون ، مملوءة بالماء ، وقد وضع فوقها رغيفان من الخبز الأبيض الساخن ، وكانت يدي تحس حرارة ذلك الخبز ، فرفعتهما ، وغلبني البكاء ، وأدركت أن هذه ليست إلا محض كرامة من كرامات الشيخ ، فلم يكن في القرية أحد ليكون ذلك الخبز قد خبز في تلك الساعة ، وجلست وأكلت الخبز ، ولم أتناول قط طيلة عمري طعاما أطيب منه ، ولم أشرب ماء أبرد وأطيب وأعذب من ذلك الماء . وكرامة أخرى هي أنني كنت جائعا لمدة يومين وليلتين ، وقد شبعت بهذين الرغيفين بحيث لم أشته طعاما آخر ليومين آخرين .