محمد بن المنور الميهني
27
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
إلى حضرة الملك وهي أفضل وأعظم رحاب ملوك الدنيا ، لأن الأمل الواثق في فضل وكرم الحق سبحانه وتعالى ، بل اليقين الصادق بأن هذا الملك العادل كما أنه في الدنيا أعظم ملك من ملوك الدهر وأفضل سلطان من سلاطين العصر ، سوف يكون بالعدل والاعتقاد ، وأيضا بالمذهب والسيرة أعظم ملك في دار البقاء وجنة عدن بالدرجة والقربى في حضرة العزة . وسوف يكون أكثر سلطان من سلاطين الأرض نصيبا في عرصة ملك الجنة ، بحكم خبر صاحب الشريعة صلوات اللّه وسلامه عليه حيث قال : عدل ساعة من ملك عادل أفضل من عبادة العابد المتقى لسنوات عديدة . ولما كان المصطفى صلى اللّه عليه وسلم قد قال : ( الدنيا مزرعة الآخرة ) ، وهذا الملك لم يزرع في الدنيا غير بذور العدل والإنصاف مع الرعايا والإحسان مع الضعفاء والأتباع ، والسخاء والمروءة مع أهل الدين والخير ؛ فإنه لا يمكن أن يكون ريع هذا البذر في الغد سوى مثل هذه الثمرة ، ثمرة ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) . وأمل هذا الداعي أن يلاحظه وأن يشرفه بشرف القبول في الحضرة العلية ، أعلاها اللّه ، وأن يعتبر هذا المسكين في كل حال وفي كل مقام الداعي الخاص لتلك الدولة ، وأن يعده الشاكر والذاكر لانعام تلك الحضرة التي هي ملجأ وملاذ كافة الخلائق . وإذا ما حدثت من هذا الخادم الداعي عثرة أو هفوة من قبيل النسيان الإنسانى واطلع عليها ملك العالم العادل خلد اللّه سلطانه بإصابة رأيه المزين للعالم فإنه يعفو ويتجاوز عن تلك الهفوة بكمال كرمه الملكي ، ويسترها ويكرر سترها بفضله الملكي الذي لا نهاية له . أسأل الخالق تعالى وتقدس أن يجعل شمس ظل الحق مشرقة إلى قيام الساعة ، وأن يصونها ويحرسها من الكسوف والزوال ، وأن يجعل ظل عدل وإنصاف شمس سلاطين الدهر وذكاء ملوك العصر مضيئا وباقيا أبد الدهر على رؤوس الرعية وكافة الأتباع ، وأن يقرن