محمد بن المنور الميهني
324
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
ثم يلقي به في المجاهدة ليجتهد . وأحيانا يتعنت العبد في مجاهداته ويتوهم أنه يأتي من مكان أو يعمل عملا ، ثم يعجز عن ذلك ولا يجد الراحة ، لأن ( ص 300 ) عمله غير خالص وملوث . وعندئذ يعرف أنه قام بهذه الطاعات بالوهم ، فيتوب ، ويتبين أنها أعمال تمت بتوفيق اللّه . وعندما يعلم هذا ، يدخل طريق الحق قلبه ومن ثم يفتح في وجهه باب اليقين ، فيسير مدة ، ويأخذ كل شيء من كل شخص ، ويتحمل الهانات ، ويعلم يقينا فتوح من هذا ، وعندئذ يزول الشك من قلبه . ثم يفتحون عليه باب المحبة ليبدو مدة في تلك المحبة . وفي تلك المحبة تظهر الأنية من الناس ، وفي تلك الأنية يتقبل الملامات . والملامة هي أن يتقبل كل شيء يعرض في محبة اللّه ، ولا يخشى الملامة . ويظهر فيه وهم يقول أنا أحب ، ويمضي في ذلك مدة أيضا ولا يستريح ولا يستقر ، ويعرف أنه يحب اللّه ، وللّه معه فضل ، وكل هذا بمحبته وفضله لا يجهدنا ؛ فإذا ما رأى هذا كله استراح ؛ وعندئذ يفتح عليه باب التوحيد حتى يعرف ويرى . وهم يصيرونه عارفا حتى يعرف أن الأمور للّه جل جلاله « إنما الأشياء برحمته » ، وهنا يعرف أن الكل هو والكل به والكل منه ، وأن هذا كله هو الوهم الذي وضعه في الخلق لا بتلائهم وبلائهم ، والغلط الذي ساقه عليهم بجبروته لأن له صفة الجبروت - ولا يخرج العبد بصفاته - ويعرف أنه هو اللّه ، وما يكون خبرا يصبح عيانا ويراه معاينة ، وينظر في فعل اللّه وعندئذ يعرف تماما أنه لا ينبغي له أن يقول : أنا ، أو : مني . وهنا في هذا المقام يظهر للعبد عجز ، وتسقط عنه الحاجات فيصير العبد حرا ومستريحا ، وعندئذ يريد العبد ما سوف يريده هو ، لقد ذهب العبد ووصل إلى الراحة ؛ فالكل