محمد بن المنور الميهني
235
أسرار التوحيد في مقامات أبي سعيد
قشة . فقال : اعلم أن الدنيا والآخرة قشة في هذا الطريق ، إذا لم ترفعها عنه فلن تصل إلى مقصودك ؛ لأن سيد العالم عليه السلام قال : « أدناها أماطة الأذى عن الطريق » . ثم قال : كل شئ لا يكون للّه يكون حقيرا ، وكل شخص لا يكون للّه يكون وضيعا . وحيثما يكون وجودك تكون النار ، وحيثما تفنى تكون الجنة . حكاية [ ( 27 ) ] : كان مريد من مريدى الشيخ قادما من العراق إلى ميهنه لزيارة الشيخ . وكان قد أحضر له ملابس ثمينة ، وأخذ يقول لنفسه طوال الطريق : إنني أحمل هذه الملابس الجميلة اللطيفة للشيخ ، وسوف يسر الشيخ سرورا عظيما بهذه التحف . ولما أصبح على بعد فرسخ من ميهنه ، قال الشيخ : أعدوا الجواد . فأعدوه وركب الشيخ ، وسار الجميع في صحبته حتى وصلوا إلى الصحراء . فتزايدت آمال الدرويش ، وظن أن الشيخ خرج لاستقباله من أجل تلك الملابس ، وازداد حب الدنيا في قلبه نتيجة لهذا الظن . وأقبل على الشيخ ، وقبل أقدامه . وقال له الشيخ : هات الثياب التي أحضرتها من أجلنا . فأحضرها الدرويش في الحال . وأمر الشيخ بتمزيق الثياب جميعها ، وعلقوا على كل شوكة قطعة منها . فلما رأى الدرويش ذلك تأثر كثيرا وانهار . وقد أراد الشيخ بهذه الحركة أن يظهر للدرويش أن الدنيا لا قيمة لها عنده ، وأن ما كان يرجوه من وراء هذه الملابس إنما كان كله حبا في الدنيا ، ولا يليق لهذه الطائفة التهالك على الدنيا ، ( ص 222 ) ولا النظر إلى العقبى . وبعد ذلك زهد الدرويش في الدنيا ، ولما بلغ ميهنه أقام على خدمة الشيخ . وتعهده الشيخ برعايته ، وأصبح من أعزة هذه الطائفة .