أحمد بن علي الرفاعي الكبير

9

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

ميّت حيّ ، وحي ميت ، ومحجوب مكشوف ، ومكشوف محجوب : تراه والها على باب أمره ، هائما في ميدان برّه ، متدللا تحت جميل ستره ، فانيا تحت سلطان حكمه ، باقيا على بساط لطفه . العارفون صارت أنفسهم فانية تحت بقائه وسلطانه عن كل حول وقوة ، تراهم باقين بحوله وقوته ، متلاشين عن كونهم وأسبابهم تحت جلال ألوهيته ، ملوكا به دون مملكته ، فقرهم به ، وغناهم به ، وعزّهم به ، وذلّهم به . يروى أن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام : يا داود ! اعرفني واعرف نفسك . فتفكر داود فقال : إلهي ! عرفتك : بالفردانية ، والقدرة ، والبقاء ؛ وعرفت نفسي : بالعجز والفناء . فقال : الآن عرفتني . وروي في الخبر : لو عرفتم اللّه تعالى حق معرفته لعلّمتم العلم الذي ليس بعده جهل ، ولزالت الجبال بدعائكم . مع أنه لا ينتهي أحد ولا يبلغ منتهى معرفته ، إن اللّه تعالى أعظم من أن ينتهي أحد إلى منتهى معرفته . وقال الإمام جعفر الصادق عليه الرضوان والسلام : لا يعرف اللّه حق معرفته من التفت منه إلى غيره ، المعرفة هي : طيران القلب في سرادق الأنس والألفة ، جولا في حجب الجلال والقدرة . وهذه حالة من صمّت أذناه عن البطالات : وعميت عيناه عن النظر إلى الشهوات ، وخرس لسانه عن التكلم بالترّهات . وقيل لأبي يزيد - رحمه اللّه تعالى - : ترى الخلق ؟ قال : به أراهم . وسئل محمد بن واسع رحمه اللّه تعالى : هل عرفت ربك ؟ فسكت ساعة ثم قال : من عرف اللّه تعالى قلّ كلامه ، ودام تحيّره ، فني عن صور الأعمال ، وتحيّر مع الاتصال ، متقربا في جميع الأحوال ، منقطعا عن الحال إلى وليّ الحال ، فإن الأمور بحقائقها ، لا بالحس وصورها . قال أبو يزيد رحمه اللّه تعالى : ليس على تحقيق بالمعرفة ، من رضي بالحال دون وليّ الحال ، فإنّ من عرف اللّه كلّ لسانه ، ودهش عقله ، العارف : إن تكلم بحاله هلك ، وإن سكت احترق ! .