أحمد بن علي الرفاعي الكبير

75

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

وسأل رجل من سفيان - رحمه اللّه - كسرة ، فأعطاه دينارا ! فقيل له في ذلك ، فقال : إن كان لا يعرف هو قدر نفسه ، فلا أدع كرم نفسي ، وإن كان هذا ترك الهمة ، فأنا لا أدع الجود . همم العارفين : همم العارفين متصلة بمحبة الرحمن ، وقلوبهم ناظرة إلى مواضع العز من العزيز ، لا راحة لهم في دار الدنيا ، دون الخروج منها . وكان كثيرا ما يرى حبيب العجمي رضي اللّه عنه ، يوم التروية بالبصرة ، ويوم عرفة بعرفات ، فقيل له في ذلك ، فقال : هو أقل ما أطار إليه الهمة أهل الهمة . ودخل علي - كرّم اللّه وجهه - مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فرأى أعرابيا في المسجد يقول : إلهي ! أريد منك شويهة . ورأى أبا بكر الصديق في زاوية أخرى يقول : إلهي ! أريدك . فشتان ما بين الهمتين ، فكل يطير بهمته ، فإذا بلغ طيرانه إلى غاية همته ، وقف فلم يجاوزها . قال اللّه تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [ الإسراء : 84 ] ، أي : على نيته وهمته . وقيل لأبي يزيد رحمه اللّه تعالى : سمعنا أنك تمر على الماء ، وتطير في الهواء ! فقال : المؤمن أعز على اللّه من السماوات السبع ، فأي عجب أن يبلغ مقام طير أو حوت ؟ قرىء بين يدي ابن المبارك قوله تعالى : أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [ المؤمنون : 61 ] . فقال : ليس أنه يسبق بدن بدنا ، ولا عمل يسبق عملا ، ولكن همة تسبق همة ، في جميع الخيرات والإرادات . قال بعض العارفين : مساكين أهل الغفلة ! يشتغلون بكثرة الأعمال ، ويعظمونها ويفتخرون بها ، ولو أن أهل المعرفة عملوا أعمال أهل السماوات والأرض ، من الأزل إلى الأبد ، كان ذلك أصغر وأحقر في أعينهم ، من خردلة في السماء والأرض .