أحمد بن علي الرفاعي الكبير

42

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

ألسنة العارفين : أي سادة ! من أراد أن يتكلم بلسان أهل المعرفة ، فينبغي أن يحفظ أدب كلامه ، فلا يكشف دقائقه إلا عند أهله ، وأن لا يحمّل المريد فوق طاقته ، ولا يمنع كلامه من كان من أهله ، ويكون كلامه مع أهل المعرفة : بلسان أهل المعرفة . ومع أهل الصفا : بلسان الصفا . ومع أهل المحبة : بلسان المحبة . ومع أهل الزهد : بلسانهم . ومع كل صنف : على قدر مراتبهم ومنازلهم ، وقدر عقولهم ؛ فإن اللّه تعالى جعل للعارف هذه الألسن . نعم ؛ كلها تتلاشى عند ظهور سلطان الحق ، وينبغي أن لا يحدّث بحديث لا يبلغ عقل المستمع إليه ، فيكون ذلك فتنة ، فإن أكثر الناس جاهلون ! اشتغلوا بعلوم الظواهر ، وتركوا علم تصحيح الضمائر ، فلا يحتملون دقائق كلام العارفين . لأن كلماتهم لاهوتية ، وإشاراتهم قدسية ، وعباراتهم أزلية ، فلذلك ينبغي للمستمع أن يكون معه السراج الأزلي ، والنور الديمومي . ويقال : لسان الحال ، أفصح من لسان المقال ؛ فمن رضي بالحال ، دون وليّ الحال ، صار مخذولا عن الحال ومحجوبا عن ذي الجلال ! . وأي دهشة أشد من دهشة العارف ؟ إن تكلم عن حاله هلك ! وإن سكت احترق ، فمن ورد قلبه الحضرة كلّ لسانه ، ومن غاب قلبه عن الحضرة كثر كلامه . قال ذو النون رحمه اللّه : ما رأيت محدّثا في قوم ، يحدثهم بغفلة ، إلّا كان ذلك قسوة . وقال بعضهم : سكوت العارف حكمة ، وكلامه نعمة . ويقال : ليس على تحقيق في المعرفة ، من يحدّث بحديث المعرفة عند أبناء الآخرة ، فكيف أبناء الدنيا ؟ ما تكلمت مع أحد من الناس ، إلّا ودعوته إلى اللّه ، ثم كلمته . من لم يكن له حلاوة المعرفة ، ورؤية المنّة ، وشكر النعمة ، ولذائذ القربة ، وخوف المفارقة ، وأنس الصحبة ، وإخلاص العبادة ، وسرور الهداية ، فليس له أن يتكلم بكلام أهل المعرفة ، وإن تكلم فلا يحمّل فوق الطاقة ، ولا يمنع أهل الحاجة ،