أحمد بن علي الرفاعي الكبير
39
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
إن اللّه تعالى أطلع أهل المعرفة ، على تلاطم أمواج بحار خواطر القلوب ، وأشرفهم على خزائن الأسرار ، وبواطن العلوم التي لا يحصى عددها ، ولا ينقطع مددها ، ولا يدرك قعرها ، ولا يفنى عجائبها ، حتى يغوصوا بنور المعرفة ، في قعر بواطن إشاراتها المكنونة ، في معانيها المخزونة فيستخرجوا عجائب فوائد ولطائف زوائد ، وحقائق إشارات ، يحترق منها قلوب المحبين ، ويستأنس بها أرواح المريدين ، وهي نور من أنوار الهداية ، يهتدي به العبد إلى طريق حسن الرعاية ، إذا أدركه من الحق : التوفيق والعناية . قال يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : لقيت الحكماء فوجدت أكثرهم مفاليس ! يفتحون من كيس غيرهم . وكان لليث المصري - رحمه اللّه تعالى - أخ ، وكان بالإسكندرية ، فلما قدم إليه قال : إني كنت مقبلا على ربي . قال : فأين فوائد إقبالك على ربك ؟ فسكت . فقال الليث : العبد إذا أقبل على اللّه بصدق الوفاء ، يمدّه اللّه بفوائد لم تخطر على قلب بشر . وكان يحيى بن معاذ - رحمه اللّه تعالى - يتكلم ذات يوم ، فصاح رجل في مجلسه ، ومزق ثوبه ، فقيل له : ما تقول فيه ؟ قال : كلام أهل المعرفة ، كلما نبع من عين سر الوحدانية ، قرع قلب المحترق بنيران الشوق والمحبة ، فتلاشت عن صاحبه صفات الإنسانية . كلام المتقين بمنزلة الوحي . وجرت كلمة على لسان بعضهم ؛ فقيل له : من حدّثك بهذا ؟ قال : حدثني قلبي ، عن فكري ، عن سرّي ، عن ربّي . فإسناد الحكمة : وجودها ، وهي ضالة المريد ، حيث ما وجدها أخذها ، فلا يبالي من أي وعاء خرجت ، وبأي لسان نطقت ، ومن أي قلب نقلت ، أو على أي حائط كتبت ، أو من أي كافر سمعت .