أحمد بن علي الرفاعي الكبير
24
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
صابرة في البلوى ، وسره دائم النجوى ، وفكره بالأفق الأعلى ، فمرة يتفكر في نعم ربه ، ومرة يجول حول سرادقات قدسه . فحينئذ يصير حرّا عبدا ، وعبدا حرّا ، وغنيا فقيرا ، وفقيرا غنيا . هكذا يعدّ ما أمكنه طردا وعكسا من الألفاظ ، مثل الموجود والمعروف ، والعزيز والمسرور ، والقريب والمحمود ، والناطق والساكت ، والمقبول والخائف ، والشاهد والغائب ، والباكي والضاحك . وذلك لأنه ضحكه وسروره في حزنه ، وحزنه في سروره ، وعزه مختلط بذلّه ، وذلّه مختلط بعزه ، وخوفه ممزوج برجائه ، ورجاؤه ممزوج بخوفه ، لا خوف يذهب برجائه ، ولا رجاء يذهب بخوفه ؛ وهو بنفسه يعيش مع الناس ، وبقلبه مع اللّه تعالى ، لا تغلب معاملة نفسه مع الناس معاملة قلبه مع اللّه تعالى ، عزيز ذليل ، فقير غني ، كما قال أبو يزيد رضي اللّه عنه في مناجاته : إلهي ! . كلّما قلت قد دنا حلّ قيدي * قيّدوني وأوثقوا المسمارا وكان يسيل الدمع من عينيه عند هذه الكلمة . وليس كل من يرى عليه أثر الزهد فهو زاهد ! وكذلك أثر الغربة ، والحماقة والجنون ، والبطالة والغفلة . إن اللّه تعالى ، كلما نظر إلى قلب عبد من عبيده ، بالفضل والرحمة ، كشف عنه حجاب الغفلة ، وأظهر له لطائف القدرة ، فعند ذلك لا بد له من إحدى ثلاث : إما أن يصير حكيما ، يتصل به الخلق إلى اللّه ؛ وإما أن يكلّ لسانه ، فيصير مدهوشا مبهوتا ؛ وإما أن يصير مستورا في حجبه ، محفوظا في قبضته ، حتى لا يراه غيره ، لشدة غيرته عليه . فسبحان من حجب أهل معرفته عن جميع خلقه ، حجبهم عن أبناء الدنيا بأستار الآخرة ، وعن أبناء الآخرة بأستار الدنيا ، وذلك أن أهل المعرفة عرائس اللّه تعالى في أرضه ، واللّه محرمهم ، لا محرم لهم غيره ، فهم عند اللّه مخدورون ( من الخدر وهو الستر ) . وقد روي أن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام : يا داود ! أوليائي في قباب لا يعرفهم إلا أوليائي ، فطوبى لأوليائي ، ثم طوبى لأحبائي . يقال : لو بدت ذرة من نور النبي عليه الصلاة والسلام لاحترق ما بين العرش إلى الثرى . علامة العارف : قيل لرابعة - رحمها اللّه تعالى - ما كمال حال العارف ؟ قالت : احتراقه بحبه