أحمد بن علي الرفاعي الكبير

13

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

فإذا اجتمعت في العبد هذه الخصال : أشرق فؤاده بنور ، فيرى ما دون حجب الجبروت ، وتشتاق إليه الجنان ، ويخمد منه لهبات النيران ، ولو أن المعرفة نقشت على شيء ، ما نظر إليها أحد إلّا مات من حسنها وجمالها ! لكل أحد رأس مال ، وهي رأس مال المؤمن . وقال رجل لذي النون رحمه اللّه تعالى : إني لأحبّك ، فقال : إن كنت عرفت اللّه فحسبك اللّه ، وإن لم تعرفه فاطلب من يعرفه ، حتى يدلك عليه . المعرفة شجرة طيبة : وعندي أن المعرفة كشجرة يغرسها ملك في بستانه ، ثمينة جواهرها ، مثمرة أغصانها ، حلوة ثمارها ، طريفة أوراقها ، رفيعة فروعها ، نقية أرضها ، عذب ماؤها ، طيب ريحها ، صاحبها مشفق عليها لعزتها ، مسرور بحسن زهرتها ، يدفع عنها الآفات ، ويمنع عنها البليات . وكذلك شجرة المعرفة ، التي يغرسها اللّه تعالى في بستان قلب عبده المؤمن ، فإنه يتعهدها بكرمه ، ويرسل إليها كل ساعة سحائب المنّة من خزائن الرحمة ، فيمطر عليها قطرات الكرامة ، برعد القدرة ، وبرق المشيئة ، ليطهرها من غبار رؤية العبودية ، ثم يرسل عليها نسيم لطائف الرأفة ، من حجب العناية ، ليتم لها شرف الولاية ، بالصيانة والوقاية . فالعارف أبدا يطوف بسره تحت ظلالها ، ويشم من رياحينها ، ويقطع منها بمنجل الأدب ، ما فسد من ثمارها وحلّ فيها من الخبث والآفة . فإذا طال مقام سر العارف تحتها ، ودام جولانه حولها ، هاج أن يتلذذ بثمارها ، فيمد إليها يد الصفاء ، ويجتني ثمارها بأنامل الحرمة ، ثم يأكلها بفم الاشتياق ، حتى تغلبه نار الاستغراق ، فيضرب يد الانبساط إلى بحر الوداد ، ويشرب منه شربة يسكر بها عن كل ما سوى الحق ، سكرة لا يفيق منها إلا عند المعاينة ، ثم يطير بجناح الهمة ، إلى ما لا تدركه أوهام الخلائق . وقيل للواسطي رحمه اللّه تعالى : أي الطعام أشهى ؟ قال : لقمة من ذكر اللّه تعالى ، ترفع بيد اليقين ، من مائدة الخلد ، عند حسن الظن باللّه تعالى . قال النساج رحمه اللّه تعالى : يخرج أكثر أهل الدنيا من الدنيا ، ولم يذوقوا طيباتها المقصودة ؛ قيل : وما هي ؟ .