أحمد بن علي الرفاعي الكبير

128

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

وكونها آخذة بالعبد إلى الافتقار إلى اللّه تعالى ، والانقهار تحت عظمة فردانيته ، فلذلك صارت حصنا للعبد ، بإذن اللّه تعالى . أي بني ! اعلم أن الغنى والفقر صفتان : صفة للّه ، وصفة للعبد ، فصفة الفقر للعبد ، وهو صفة مدح ، كما أن صفة الغنى للّه ، وهو صفة مدح . والفقر بالحقيقة : صفة العبد ، إذ لا يشوبه غنى . والغنى بالحقيقة : صفة الربّ ، إذ لا يشوبه فقر . وإنّ أشرف صفات العبد : افتقاره إلى اللّه تعالى في كل شيء كما أن أشرف صفات الرب : استغناؤه عن العبد في كل شيء . قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمّد : 38 ] . وقال سبحانه : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 15 ) [ فاطر : 15 ] . واعلم أن الافتقار إلى اللّه مقسوم : على النفس ، والروح ، والقلب ، والسر . ففقر النفس إلى اللّه تعالى يكون على سبيل القرب والرضاء . وفقر السر إلى اللّه تعالى على سبيل المشاهدة واللقاء . فكلما رأى العبد نفسه متحيرة ، على باب عهده ووفائه ، رجع بالافتقار إلى باب عفوه . وكلما رأى روحه متحيرة ، على باب وده ومحبته ، رجع بالافتقار إلى باب عنايته . ومن حقيقة الافتقار ، الاستكفاء بالكافي ، وطرح النفس السقيمة بين يدي المافي . وأيضا حقيقته : انتظار السّبب من المسبّب ، مع رؤية السّبب ، والاشتغال بالمسبّب ، مع نسيان السّبب . وأيضا : من حقيقته دوام التبصيص والاعتذار ، بلسان صدق الافتقار ، مع غاية الانكسار . ومن حقيقته : تخليص الأسرار من رؤية الأعمال ، وترك الاعتماد على حسن الحال . ومن حقيقته : أن لا ينصرف العبد عنه بخلقه ولا بملكه . قيل لأبي عبد اللّه بن مقاتل - رحمه اللّه تعالى - :