أحمد بن علي الرفاعي الكبير

102

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

ومتى صار عارفا حنّ وأنّ ، وطلب زيادة العلم باللّه ، من كل طريق ، ومن كل فن ، وكل الطرق والفنون في القرآن العظيم . والعارفون هم الراسخون في العلم ، يقولون : آمنا به ، وإليه منتهى سير هممهم ، وعنه يصدرون ، وبه يهيمون ، ومنه يأخذون . ولذلك يقال فيهم : ندماء الحق ، وبهذا السر يفرّقون بين الباطل والحق . استدراج اللّه تعالى ومكره : أي بني ! اعلم أن اللّه تعالى ربما يزين أعداءه بلباس أوليائه وأصفيائه ، حتى إنهم يغترّون بصفاء الأوقات ، ويحسبون أنهم من أهل ولايته ! فهذا من اللّه لهم استدراج . وربما يزينهم بالعز والجاه والرياسة ، والمنزلة عند الناس ، حتى يغتروا بثناء الناس ومحمدتهم ، ويحسبون أنهم من أهل فضله ! فهذا أيضا من اللّه استدراج لهم . وكذلك ربما يزينهم بأنواع لطائف الحكمة ، فيغترون بحسن بلاغتهم ، وكمال فهمهم وفطنتهم ، ويحسبون أنهم أحاطوا بكل حقيقة علما ، فهذا لهم من اللّه استدراج . وربما يزينهم بلباس النعمة ، ويغرقهم في أنواع النعم ، فيغترون بحسن تجملهم ، وطيب عيشهم ، ويحسبون أنهم على شيء من اللّه ، فهذا لهم من اللّه استدراج . ولا يتركهم حتى يردهم إلى حقيقة معلومة ، قال سبحانه : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [ الأعراف : 182 ] . فهذا ما كدّر عيش المريدين في دار الدنيا ، حتى دام كمدهم ، واصفرّت ألوانهم ، وذابت نفوسهم ، ودهشت عقولهم ، وطارت أفئدتهم ، وانشقّت مراراتهم ، وفقدوا من الخلائق ، وواجب على كل ذي عقل ومعرفة : أن يحذر مولاه ، كما حذر نفسه بقوله تعالى : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 28 ] . وكما قال تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ [ البقرة : 235 ] . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « المؤمن لا يسكن اضطرابه ، ولا تأمن روعته ، حتى يخلف جسر جهنم » . * ألا إن اللّه تعالى غيّب مكره في حلمه ، وخداعه في لطفه ، وعدله في كرمه ، وخذلانه في أنواع نعمه ، وسخطه في ميل ستره ، وقطيعته في إمهاله .