عبد القادر الجيلاني

18

منظومة أسماء الله الحسنى

الجدّ والتّحصيل ، وسارع في طلبه ، قاصدا أعلام الهدى من علماء هذه الأمة ، فابتدأ حياته بقراءة القرآن العظيم حتّى أتقنه ، درسه على يد أبي الوفا علي بن عقيل الحنبليّ ، وأبي الخطّاب محفوظ الكلواذاني الحنبليّ ، وغيرهم كثير . وسمع الحديث النّبويّ الشّريف على أيدي كثير من مشاهير عصره من الحفّاظ كأبي غالب محمد بن الحسن الباقلاني وغيره . وتفقّه على أيدي مشاهير عصره من العلماء الفقهاء ، كأبي سعد المخرّمي ، الذي أخذ عنه الخرقة الشريفة . وتعلّم الأدب واللّغة على يد أبي زكريا يحيى بن علي التّبريزيّ ، وصاحب حمّاد الدّباس وأخذ عنه علم الطريقة . فألمّ بعلوم الشّريعة والطّريقة واللّغة والأدب ، حتى بلغ شأوا بعيدا ، فكان إمام الحنابلة ، وشيخهم في عصره ، وأظهر اللّه تعالى الحكمة من قلبه على لسانه في مجالس الوعظ . جلس للوعظ في شوّال سنة 521 ه في مدرسة أبي سعد المخرّمي ، بباب الأزج في بغداد ، وظهر له صيت كبير في الزّهد ، فضاقت المدرسة بالنّاس ، ممّا اضطره إلى توسعتها ، حتّى نقل مجلسه إلى خارج بغداد عن المصلى ، فقد أصبح يحضر مجلسه عدد كبير من الناس قدّر بسبعين ألف . إ ه . كان الشيخ عبد القادر يصدع بالحقّ ولا يخاف في اللّه لومة لائم ، وينكر على من يوتّي الظّلمة ، كما فعل مع الخليفة المقتفي لأمر اللّه عندما ولّى القاضي يحيى بن سعيد المعروف بابن المزاحم ، وكان مشهورا بالظّلم ، فقد قال الشيخ على كرسي الوعظ مخاطبا الخليفة : ولّيت على المسلمين أظلم الظّالمين ، ما جوابك غدا عند رب العالمين أرحم الرّاحمين . فارتعد الخليفة وبكى ، وعزل القاضي المذكور لوقته « 1 » . ولمّا ولي المستنجد باللّه الخلافة خلع على الشيخ عبد القادر خلعة . كان الشيخ عبد القادر الجيلاني لا يخرج من مدرسته إلّا يوم الجمعة إلى الجامع ، وكان كلّ ليلة يأمر بمد السّماط « 2 » ويأكل مع الضّيوف ، ويجالس الضّعفاء ، ويصبر على طلبة

--> ( 1 ) الشيخ عبد القادر الجيلاني وأعلام القادرية ، للدكتور محمد درنيقة : ( 27 ) . ( 2 ) السّماط : ما يبسط عليه الطعام .