عبد القادر الجيلاني

65

فتوح الغيب

وعلامة فنائك عنك وعن « 1 » هواك : ترك التّكسّب والتعلّق بالسّبب في جلب النّفع ودفع الضّرر « 2 » ، فلا تتحرّك « 3 » فيك ( بك ) ولا تعتمد عليك لك « 4 » ، ولا تنصر نفسك ، ولا تذبّ عنك ، لكن « 5 » تكل ذلك كلّه إلى اللّه تعالى ، لأنّه تولّاه « 6 » أوّلا فيتولّاه آخرا ، كما كان ذلك موكولا إليه في حال كونك مغيّبا في الرّحم ، وكونك رضيعا طفلا في مهدك « 7 » . وعلامة فنائك عن إرادتك « 8 » بفعل اللّه أنّك لا تريد مرادا قطّ ، فلا يكن « 9 » لك غرض ، ولا تقف « 10 » لك حاجة ولا مرام ، لأنّك « 11 » لا تريد مع إرادة اللّه سواها ، بل يجري

--> ( 1 ) في المطبوع : ( وعلامة فنائك عن ) . ( 2 ) في المطبوع : ( النفع والضرر ) . ( 3 ) في نسخة : ( تحرك ) . ( 4 ) تحرف في المطبوع إلى : ( تتعمد عليك ولا لك ) . ( 5 ) في المطبوع : ( ولا تذب عنك ، ولا تنفر نفسك ) . ( 6 ) في المطبوع : ( إلى من تولاه ) . ( 7 ) قال شيخ الإسلام في تعليقته على فتوح الغيب : وهذا لأن النفس تهوى وجود ما تحبّه وينفعها ، ودفع ما تبغضه ويضرّها ، فإذا فني عن ذاك بالأمر : فعل ما يحبه اللّه ، وترك ما يبغضه اللّه ، فاعتاض بفعل محبوب اللّه عن محبوبه ، وبترك ما يبغضه [ في نسخة : يغضبه ] اللّه عما يبغضه [ في نسخة : أبغضه ] ، وحينئذ فالنفس لا بد لها من جلب المنفعة ، ودفع المضرة ، فيكون في ذلك متوكّلا على اللّه . والشيخ - رحمه اللّه - ذكر هنا التوكل دون الطاعة ، لأن النفس لا بدّ لها من جلب المنفعة ودفع المضرة ، فإن لم تكن متوكّلة على اللّه في ذلك واثقة به لم يمكن أن تنصرف عن ذلك فتمتثل الأمر مطلقا ، بل لا بد أن تعصي الأمر في جلب المنفعة ودفع المضرة ، فلا تصحّ العبادة للّه وطاعة أمره بدون [ في نسخة : دون ] التوكل عليه ، كما أن التوكل عليه لا يصحّ بدون [ في نسخة : دون ] عبادته وطاعته . قال تعالى : فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ هود : 123 ] . وقال تعالى : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 2 - 3 ] . وقال تعالى : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا ( 8 ) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمل : 8 - 9 ] . والمقصود : أن امتثال الأمر على الإطلاق لا يصحّ بدون [ في نسخة : دون ] التوكل والاستعانة ، ومن كان واثقا باللّه أن يجلب له ما ينفعه ويدفع عنه ما يضرّه أمكن أن يدع هواه ، ويطيع أمره [ في نسخة : أمر مولاه ] ، وإلا فنفسه لا تدعه أن يترك ما يقول أنه محتاج فيه إلى غيره . ( 8 ) في نسخة : ( وعلامة فناء إرادتك ) . ( 9 ) في المطبوع : ( ولا يكون ) . ( 10 ) في المطبوع : ( يبقى ) . ( 11 ) في نسخة : ( فإنك ) .