عبد القادر الجيلاني

53

فتوح الغيب

--> - ورسوله ، وأما ما لا يحبّه اللّه ورسوله ولا يبغضه اللّه ورسوله ، كالأفعال التي لا تكليف فيها ، مثل أفعال النائم والمجنون ، فهذا إذا كان اللّه لا يحبها ولا يرضاها ولا يكرهها ويذمّها ، فالمؤمن أيضا لا ينبغي أن يحبها ويرضاها ولا يكرهها . وأما كونها مقدورة ومخلوفة للّه فذاك لا يختصّ بها ، بل هو شامل لجميع المخلوقات . واللّه تعالى خلق ما خلقه لما شاء من حكمته ، وقد أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [ السجدة : 7 ] . والرضا بالقضاء ثلاثة أنواع [ في نسخة : أقسام ] : أحدها : الرضا بالطاعات ، فهذا طاعة مأمور بها . والثاني : الرضا بالمصائب ، فهذا مأمور بها [ في نسخة : به ] : إما مستحب ، وإما واجب . والثالث : الكفر والفسوق والعصيان ، فهذا لا يؤمر بالرضا به ، بل يؤمر ببغضه وسخطه ، فإن اللّه لا يحبه ولا يرضاه ، كما قال تعالى : إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ [ النساء : 108 ] . وقال : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) [ البقرة : 205 ] . وقال : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] . وقال : فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [ آل عمران : 32 ] . وقال : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * ( 190 ) [ البقرة : 190 والمائدة : 87 ] . ( وقال : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 64 ) [ المائدة : 64 ] . وهو وإن خلقه لما له في ذلك من الحكمة ، فلا يمتنع أن يخلق ما لا يحبّه لإفضائه إلى الحكمة التي يحبّها ، كما خلق الشياطين ، فنحن راضون عن اللّه في أن [ في نسخة : بأن ] يخلق ما يشاء ، وهو محمود على ذلك . وأما نفس هذا الفعل المذموم وفاعله ، فلا نرضى به ولا نحمده ، وفرق بين ما يحبّ لنفسه ، وما يراد لإفضائه إلى المحبوب مع كونه مبغضا من جهة أخرى ، فإنّ الأمر الواحد يراد من وجه ويكره من وجه آخر ، كالمريض الذي يتناول الدواء الكريه ، فإنه يبغض الدواء ويكرهه ، وهو مع هذا يريد استعماله لإفضائه إلى المحبوب ، لا لأنه في نفسه محبوب . وفي الحديث الصحيح [ خ ( 6137 ) ] : « يقول اللّه تعالى : وما تردّدت عن شيء أنا فاعله كتردّدي [ في نسخة : ترددي ] وعن قبض نفس عبدي المؤمن : يكره الموت ، وأكره مساءته ، ولا بدّ له منه » . فهو سبحانه لمّا كره مساءة عبده المؤمن الذي يكره الموت كان هذا مقتضيا أن يكره إماتته مع أنه يريد إماتته ، لما له في ذلك من الحكمة سبحانه وتعالى ، فالأمور التي يبغضها اللّه تعالى وينهى عنها لا تحبّ ولا ترضى ، لكن نرضى بما يرضى اللّه به ، حيث خلقها لما له في ذلك من الحكمة ، فكذلك الأفعال التي لا يحبها ولا يبغضها ، ولا ينبغي أن تحبّ ولا ترضى ، كما لا ينبغي أن تبغض . والرضا الثابت بالنص : هو أن يرضى باللّه ربّا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا . وقد ثبت في الصحيح [ م ( 34 ) ] عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من رضي باللّه ربّا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمّد نبيّا ، كان حقّا على اللّه أن يرضيه » . وأما بالنسبة إلى القدر : فيرضى عن اللّه ، إذ له الحمد على كل حال ، ويرضى بما يرضاه من الحكمة التي خلق لأجلها ما خلق ، وإن كنّا نبغض ما يبغضه من المخلوقات ، فحيث انتفى الأمر -