عبد القادر الجيلاني
50
فتوح الغيب
--> - الرجال ، فعلّموا من القرآن وعلّموا من السنة » . وفي الترمذي [ 3019 ] ( بإسناد جيّد ) وغيره حديث النوّاس بن سمعان ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ضرب اللّه مثلا صراطا مستقيما ، وعلى جنبتي الصراط سوران ، وفي السورين أبواب مفتّحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وداع يدعو على رأس الصراط ، وداع يدعو من فوق الصراط ، فالصراط المستقيم هو الإسلام ، والستور حدود اللّه ، والأبواب المفتّحة محارم اللّه ، فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ، ناداه المنادي - أو كما قال - : يا عبد اللّه ! لا تفتحه ، فإنك إن تفتحه تلجه . والداعي على رأس الصراط : كتاب اللّه ، والداعي فوق الصراط : واعظ اللّه في قلب كل مؤمن » . فقد بيّن : أنّ في قلب كلّ مؤمن واعظا [ في نسخة : واعظ ] ، والواعظ : الأمر والنهي بترغيب وترهيب . فهذا الأمر والنهي الذي يقع في قلب المؤمن ، مطابق لأمر القرآن ونهيه . ولهذا يقوى أحدهما بالآخر ، كما قال تعالى : نُورٌ عَلى نُورٍ [ النور : 35 ] . قال بعض السلف في الآية : هو المؤمن ينطق بالحكمة ، وإن لم يسمع فيها بأثر ، فإذا سمع بالأثر كان نورا على نور : نور الإيمان الذي في قلبه يطابق نور القرآن ، كما أن الميزان العقلي يطابق الكتاب المنزل ، فإن اللّه أنزل الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط . وقد يؤتى العبد أحدهما ولا يؤتى الآخر ، كما في الصحيحين [ خ ( 511 ) وم ( 797 ) ] عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجّة : طعمها طيّب وريحها طيّب . ومثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل التمرة : طعمها طيّب ولا ريح لها . ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة : ريحها طيّب وطعمها مرّ . ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة : ليس لها ريح وطعمها مرّ » . والإلهام في القلب تارة يكون من جنس القول والعلم والظن والاعتقاد . وتارة يكون من جنس العمل والحب والإرادة والطلب ، فقد يقع في قلبه أن هذا القول أرجح وأظهر وأصوب ، وقد يميل قلبه إلى أحد الأمرين دون الآخر . وفي الصحيحين [ خ ( 3282 ) وم ( 2398 ) ] عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « قد كان في الأمم قبلكم محدّثون ، فإن يكن في أمّتي أحد فعمر » . والمحدّث الملهم المخاطب . وفي مثل هذا قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم في حديث وابصة : « البرّ : ما اطمأنت إليه النفس وسكن إليه القلب . والإثم : ما حاك في نفسك ، وإن أفتاك الناس وأفتوك » . وهو في السنن [ أحمد ( 4 / 228 ) ] . وفي صحيح مسلم ( 2553 ) عن النّوّاس بن سمعان ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « البرّ : حسن الخلق ، والإثم : ما حاك في نفسك وكرهت أن يطّلع عليه الناس » . وقال ابن مسعود : الإثم حوّاز [ في المطبوع : حزاز ] القلوب . وأيضا فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن يقينا أو ظنّا ، فالأمور الدينية كذلك بطريق الأولى ، فإنّه إلى كشفها أحوج ، لكن هذا في الغالب لا بدّ أن يكون كشفا بدليل ، وقد يكون بدليل ينقدح في قلب المؤمن ، ولا [ في نسخة : لا ] يمكنه التعبير عنه ، وهذا أحد ما فسّر به معنى الاستحسان . وقد قال من طعن في ذلك كأبي حامد وأبي محمد : ما لا يعبّر به عنه فهو هوس . وليس كذلك ، فإنه ليس كلّ أحد يمكنه إبانة المعاني القائمة بقلبه ، وكثير من الناس يبيّنها بيانا -