عبد القادر الجيلاني

48

فتوح الغيب

--> - وهو حال الأبرار أهل اليمين . وقوم لا يتصرفون بهذا ، ولا بهذا . أما الأول فلعدم علمهم به . وأما الثاني فلزهدهم فيه . بل يتصرفون فيها بحكم القدر المحض ، اتباعا لإرادة اللّه الخلقية القدرية حين تعذر معرفة الإرادة الشرعية الأمرية . وهذا كالترجيح بالقرعة إذا تعذّر الترجيح بسبب شرعيّ معلوم ، وقد يتصرف هؤلاء في هذا المقام بإلهام يقع في قلوبهم وخطاب . وكلام الشيخ عبد القادر - قدّس اللّه روحه - كثيرا ما يقع في هذا المقام ، فإنه يأمر بالزهد في إرادة النفس وهواها ، حتّى لا يتصرف بحكم الإرادة والنفس ، وهذا رفع له عن حال الأبرار أهل اليمين ، وعن طريق الملوك مطلقا . ومن حصّل هذا وتصرّف بالأمر الشرعيّ المحمّديّ القرآنيّ فهو أكمل الخلق ، لكن هذا قد يخفى عليه ؛ فإن معرفة هذا على التفصيل قد يتعذّر أو يتعسّر في كثير من المواضع ، ألا ترى أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لمّا حكّم سعد بن معاذ في بني قريظة ، فحكم بقتل مقاتلتهم ، وبسبي ذراريهم ، وغنيمة أموالهم ، قال : « لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة » [ خ ( 2878 ) ] . وذلك أن تخيير وليّ الأمر بين القتل والاسترقاق ، والمنّ والفداء ، ليس تخيير شهوة ، بل تخيير رأي ومصلحة ، فعليه أن يختار الأصلح ، فإن اختار ذلك فقد وافق حكم اللّه ، وإلّا فلا . ولمّا كان هذا يخفى كثيرا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح [ م ( 1731 ) ] : « إذا حاصرت أهل حصن ، فسألوك أن تنزلهم على حكم اللّه ، فلا تنزلهم على حكم اللّه ، فإنك لا تدرى ما حكم اللّه فيهم ، ولكن أنزلهم على حكمك ، وحكم أصحابك » . والحاكم الذي ينزل أهل الحصن على حكمه عليه أن يحكم باجتهاده ، فلما أمر سعد بما هو الأرضي للّه ، والأحبّ إليه ، حكم بحكمه ، ولو حكم بغير ذلك لنفذ حكمه ، فإنه حكم باجتهاده ، وإن لم يكن ذلك هو حكم اللّه في الباطن . ففي مثل هذه الحال التي لا يتبيّن الأمر الشرعيّ في الواقعة المعينة ، يأمر الشيخ عبد القادر وأمثاله من الشيوخ : تارة بالرجوع إلى الأمر الباطن والإلهام إن أمكن ذلك . وتارة بالرجوع إلى القدر المحض ، لتعذّر الأسباب المرجحة من جهة الشرع ، كما يرجح الشارع بالقرعة . فهم يأمرون أن لا يرجح بمجرد إرادته وهواه ، فإن هذا إما محرّم ، وإما مكروه ، وإما منقّص . فهم في هذا النهي كنهيهم عن فضول المباحات . ثم إن تبيّن لهم الأمر الشرعيّ وجب الترجيح به ، وإلا رجحوا : إما بسبب باطن من الإلهام والذوق ، وإمّا بالقضاء والقدر الذي لا يضاف إليهم . ومن يرجّح في مثل هذه الحال باستخارة اللّه كما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم يعلّم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها ، كما يعلّمهم السّورة من القرآن ، فقد أصاب . وهذا كما أنه إذا تعارضت أدلّة المسألة الشرعية عند الناظر المجتهد ، وعند المقلّد المستفتي ، فإنه لا يرجّح شيئا ، بل ما جرى به القدر أقرّوه ولم ينكروه . وتارة يرجّح أحدهم : إما بمنام ، وإما برأي مشير ناصح ، وإما برؤية المصلحة في أحد الفعلين . وأمّا الترجيح بمجرد الاختيار : بحيث إذا تكافأت عنده الأدلة يرجح بمجرد إرادته واختياره . فهذا ليس قول أحد من أئمة الإسلام ، وإنما هو قول طائفة من أهل الكلام . ولكن قاله طائفة من الفقهاء في العاميّ المستفتي : أنه يخيّر بين المفتين المختلفين . وهذا كما أن طائفة من السالكين : إذا استوى عنده الأمران في الشريعة رجّح بمجرد ذوقه وإرادته ، فالترجيح بمجرد الإرادة التي لا تستند إلى أمر -