عبد القادر الجيلاني
35
فتوح الغيب
وخيف فيدفع صوله ، فيدفع الكفار إذا قصدوا بلاد الإسلام ، وتارة يكون قد وجد فيزال وتبدل السيئات بالحسنات ، وكل هذا من باب دفع ما قدر من الشر بما قدر من الخير ، وهذا واجب تارة ، ومستحب تارة ، فالذي ذكره الشيخ رحمه اللّه هو الذي أمر اللّه به ورسوله . والمقصود من ذلك : أن كثيرا من أهل السلوك والإرادة يشهدون ربوبية الرب ، وما قدره من الأمور التي ينهى عنها ، فيقفون عند شهود هذه الحقيقة الكونية ، ويظنون أن هذا من باب الرضا بالقضاء والتسليم ، وهذا جهل وضلال قد يؤدي إلى الكفر والانسلاخ من الدين ، فإن اللّه لم يأمرنا أن نرضى بما يقع من الكفر والفسوق والعصيان ، بل أمرنا أن نكره ذلك وندفعه بحسب الإمكان ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » . واللّه تعالى قد قال : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] ، وقال : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] . فكيف يأمرنا أن نرضى لأنفسنا ما لا يرضاه لنا ، وهو جعل ما يكون من الشر محنة لنا وابتلاء ، كما قال تعالى : وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ [ الفرقان : 20 ] ، وقال تعالى بعد أمره بالقتال : ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ [ محمد : 4 ] . وفي صحيح مسلم « 1 » عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « والذي نفسي بيده لا يقضي اللّه للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له » . فالمؤمن إذا كان صبورا شكورا يكون ما يقضى عليه من المصائب خيرا له ، وإذا كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر مجاهدا في سبيله ، كان ما قدر له من كفر الكفار سبب للخير في حقه ، وكذلك إذا دعاه الشيطان والهوى كان ذلك سببا لما حصل له من الخير فيكون ما يقدر من الشر إذا نازعه ودافعه كما أمره اللّه ورسوله سببا لما يحصل له من البر والتقوى وحصول الخير والثواب وارتفاع الدرجات . فهذا وأمثاله ممّا يبين معنى هذا الكلام . واللّه أعلم .
--> ( 1 ) رواه مسلم ( 2999 ) عن صهيب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « عجبا لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه خير ، وليس ذاك لأحد إلّا للمؤمن ، إن أصابته سرّاء شكر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته ضرّاء صبر ، فكان خيرا له » .