عبد القادر الجيلاني
30
فتوح الغيب
وقال لأولاده : أبعدوا من حولي ، فإنّي معكم بالظّاهر ، ومع غيركم بالباطن . وقال : قد حضر عندي غيركم فأوسعوا لهم ، وتأدّبوا معهم ، هاهنا رحمة عظيمة ، ولا تضيّقوا عليهم المكان . وكان يقول : وعليكم السّلام ورحمة اللّه وبركاته ، غفر اللّه لي ولكم ، وتاب اللّه عليّ وعليكم ، بسم اللّه غير مودّعين . قال ذلك يوما وليلة . وقال : ويلكم ! أنا لا أبالي بشيء لا بملك ولا بملك الموت . يا ملك الموت ، منح لنا من يتولّانا سواك . وصاح صيحة عظيمة ، وذلك في اليوم الّذي مات في عشيّته . وأخبرني ولداه عبد الرّزّاق وموسى : أنّه كان يرفع يديه ويمدّهما ، ويقول : وعليكم السّلام ورحمة اللّه وبركاته ، توبوا وادخلوا في الصّفّ ، هو ذا أجيء إليكم . وكان يقول : ارفقوا ، ثمّ أتاه الحقّ وسكرة الموت . وقال رضي اللّه عنه وأرضاه : بيني وبينكم وبين الخلق كلّهم بعد ما بين السّماء والأرض ، فلا تقيسوني بأحد ، ولا تقيسوا عليّ أحدا . ثمّ سأله ولده عبد العزيز عن ألمه وحاله ؟ . فقال : لا يسألني أحد عن شيء ، ها أنا أتقلّب في علم اللّه عزّ وجلّ . وقد سأله ولده عن مرضه ؟ فقال له : إنّ مرضي لا يعلمه أحد ولا يعقله أحد : إنسيّ ، ولا جنّيّ ، ولا ملك ، وما ينقض علم اللّه بحكم اللّه ، الحكم يتغيّر والعلم لا يتغيّر ، الحكم ينسخ والعلم لا ينسخ : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ الرعد : 39 ] . و لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] . أخبار الصّفات تمرّ كما جاءت . وسأله ولده عبد الجبّار : ماذا يؤلمك من جسمك ؟ فقال : جميع أعضائي تؤلمني إلّا قلبي ، فما به ألم ، وهو صحيح مع اللّه عزّ وجلّ ، ثمّ أتاه الموت ، فكان يقول : استعنت بلا إله إلّا اللّه سبحانه وتعالى ، وهو الحيّ الّذي لا يموت ، ولا يخشى الفوت ، سبحان من تعزّز بالقدرة وقهر العباد بالموت ، لا إله إلّا اللّه ، محمّد رسول اللّه . ثمّ خرجت روحه الكريمة رضي اللّه عنه وأرضاه « 1 » .
--> ( 1 ) آخر كتاب فتوح الغيب .