عبد القادر الجيلاني

283

فتوح الغيب

المقالة السّابعة والسّبعون في الوقوف مع اللّه والفناء عن الخلق كن مع اللّه عزّ وجلّ كأن لا خلق ، ومع الخلق كأن لا نفس ، فإن كنت مع اللّه عزّ وجلّ بلا خلق وجدت ، وعن الكلّ فنيت ، وإذا كنت مع الخلق بلا نفس عدلت واتّقيت « 1 » ، ومن التّبعات سلمت ، واترك الكلّ على باب خلوتك ، وادخل وحدك تر مؤنسك في خلوتك بعين سرّك ، وتشاهد ما وراء العيان ، وتزول النّفس ويأتي مكانها أمر اللّه وقربه ، فإذا جهلك علم ، وبعدك قرب ، وصمتك ذكر ، ووحشتك أنس . يا هذا ، ما ثمّ إلّا خلق وخالق ، فإن اخترت الخالق فقل لهم : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 77 ] . ثمّ قال رضي اللّه عنه وأرضاه « 2 » : من ذاق عرف ! فقيل له : من غلبت عليه مرارة صفرته كيف يجد حلاوة الذّوق ؟ فقال : يتعمّل في الشّهوات من قبله بقصد وتكلّف . يا هذا ، المؤمن إذا عمل صالحا انقلبت نفسه قلبا وأدرك مدركات قلب ، ثمّ انقلب قلبه سرّا ثمّ انقلب الفناء فصار وجودا وبقاء . ثمّ قال رضي اللّه عنه وأرضاه : الأحباب يسعهم كلّ باب . يا هذا ، الفناء إعدام الخلائق ، وانقلاب طبعك عن طبع الملائكة ، ثمّ الفناء عن طبع الملائكة ، ثمّ لحوقك بالمنهاج الأوّل ، وحينئذ يسقيك ربّك ما يسقيك ، ويزرع فيك ما يزرع .

--> ( 1 ) في المطبوع : ( وبقيت ) . ( 2 ) أي : الشيخ عبد القادر - رحمه اللّه - .