عبد القادر الجيلاني

27

فتوح الغيب

ثمّ إذا لم يجد عند الخالق نصرة ، استطرح بين يديه مديما للسّؤال والدّعاء والتّضرّع والثّناء ، والافتقار مع الخوف منه والرّجاء . ثمّ يعجزه الخالق عزّ وجلّ عن الدّعاء ولم يجبه ، حتّى ينقطع عن جميع الأسباب ، فحينئذ ينفذ فيه القدر ، ويفعل الفعل ، فيفنى العبد عن جميع الأسباب والحركات ، فيبقى روحا فقط ، فلا يرى إلّا فعل الحقّ عزّ وجلّ ، فيصير موقنا موحّدا ضرورة ، ويقطع أن لا فاعل في الحقيقة إلّا اللّه ، ولا محرّك ولا مسكّن إلّا اللّه ، ولا خير ولا شرّ ، ولا ضرّ ولا نفع ، ولا عطاء ولا منع ، ولا فتح ولا غلق ، ولا موت ولا حياة ، ولا عزّ ولا ذلّ ، ولا غنى ولا فقر ، إلّا بيد اللّه . فيصير حينئذ كالطّفل الرّضيع في يد الظّئر ، والميت الغسيل في يد الغاسل ، والكرة في صولجان الفارس ، يقلّب ويغيّر ويبدّل ويكوّن ، ولا حراك به في نفسه ولا في غيره ، هو غائب عن نفسه في فعل مولاه ، فلا يرى غير مولاه وفعله ، ولا يرى سواه ، ولا يسمع ولا يعقل من غيره ، إن أبصر فلصنعة أبصر ، وإن سمع وعلم فلكلامه سمع ، ولعلمه علم ، وبنعمته تنعّم ، وبقربه سعد ، وبتقرّبه تزيّن وتشرّف ، وبوعده طاب وسكن ، وبه اطمأنّ ، وبحديثه أنس ، وعن غيره استوحش ونفر ، وإلى ذكره التجأ وركن ، وبه عزّ وجلّ وثق ، وعليه توكّل ، وبنور معرفته اهتدى وتقمّص ، وتسربل » « 1 » . ويقول في مقالة أخرى : « العبد إذا عرف اللّه عزّ وجلّ سقط الخلق من قلبه ، وتناثروا عنه كما يتناثر الورق اليابس من الشّجر ، فيبقى بلا خلق في الجملة ، يعمى عن رؤيتهم ، ويصمّ عن سماع كلامهم من حيث قلبه وسرّه » « 2 » . * شفقته عن الخلق : وقد كان - رحمة اللّه عليه - عطوفا ، شفيقا ، رفيقا بالأمّة المحمّديّة وعامّة النّاس ، دائم الدّعوة والدّعاء لهم ، يرقّ قلبه ، ويرثي لضعفائهم والمشتغلين بما لا ينفعهم في الآخرة ،

--> ( 1 ) فتوح الغيب ( المقالة الثالثة ) . ( 2 ) الفتح الرباني ( المجلس السادس والخمسون ) .