عبد القادر الجيلاني

255

فتوح الغيب

بذلك نسبت له الظّلم وهو لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * [ آل عمران : 182 والأنفال : 51 والحج : 10 ] ، لا يقبل الظّلم ويستحيل عليه أن يظلم إذ هو مالكك ومالك كلّ شيء ، فلا يطلق عليه اسم الظّلم ، وإنّما الظّالم من يتصرّف في ملك غيره بغير إذنه فانسدّ عليك سبيل التّسخّط عليه في فعله فيك بما يخالف طبعك وشهوة نفسك وإن كان في الظّاهر مفسدة لك . فعليك بالشّكر والصّبر والموافقة ، وترك التّسخّط والتّهمة والقيام مع رعونة النّفس وهواها الّذي يضلّ عن سبيل اللّه . وعليك بدوام الدّعاء وصدق الالتجاء وحسن الظّنّ بربّك عزّ وجلّ ، وانتظار الفرج منه ، والتّصديق بوعده ، والحياء منه ، والموافقة لأمره ، وحفظ توحيده ، والمسارعة إلى أداء أوامره ، والتّماوت عن نزول قدره بك وبفعله فيك ، وإن كان لا بدّ أن تتّهم وتسيء الظّنّ فنفسك الأمّارة بالسّوء العاصية لربّها عزّ وجلّ أولى بهما ، ونسبتك الظّلم إليها أحرى من مولاك ، فاحذر موافقتها وموالاتها ، والرّضا بفعلها وكلامها في الأحوال كلّها ، لأنّها عدوّة اللّه وعدوّتك ، وموالية لعدوّ اللّه وعدوّك الشّيطان الرّجيم ، هي خليلته وجاسوسته ومصافيته ، اللّه اللّه ثمّ اللّه ، الحذر الحذر ، النّجا النّجا ، اتّهمها وانسب الظّلم إليها واقرأ عليها قوله عزّ وجلّ : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [ النساء : 147 ] . وقوله عزّ وجلّ : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ يونس : 44 ] ، وغيرها من الآيات والأخبار . كن مخلصا للّه على نفسك مجادلا لها عنه عزّ وجلّ ، ومحاربا وسيّافا وصاحب جنده وعسكره ، فإنّها أعدى عدوّ اللّه عزّ وجلّ . قال اللّه تعالى : « يا داود ، اهجر هواك ، فإنّه لا منازع ينازعني في ملكي غير الهوى » « 1 » .

--> ( 1 ) لم أجده . وروى مسلم ( 2577 ) عن أبي ذرّ الغفاري رضي اللّه عنه ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم فيما روى عن اللّه تبارك وتعالى أنّه قال : « يا عبادي ، إنّي حرّمت الظّلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا . يا عبادي ، كلّكم ضالّ إلّا من هديته ، فاستهدوني أهدكم . يا عبادي ، كلّكم جائع إلّا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي ، كلّكم عار إلّا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم . -