عبد القادر الجيلاني

239

فتوح الغيب

المقالة السّابعة والخمسون في عدم المنازعة في القدر والأمر بحفظ الرّضا به الأحوال قبض كلّها ، لأنّه يؤمر الوليّ بحفظها وكلّ ما يؤمر بحفظه فهو قبض ، والقيام مع القدر بسط كلّه ، لأنّه ليس هناك شيء يؤمر بحفظه سوى كونه موجودا في القدر ، فعليه أن لا ينازع في القدر بل يوافق ولا ينازع في جميع ما يجري عليه ممّا يحلو ويمرّ ، الأحوال معدودة فأمر بحفظ حدودها ، والفضل الّذي هو القدر غير محدود فيحفظ . وعلامة أنّ العبد دخل مقام القدر والفعل والبسط أنّه يؤمر بالسّؤال في الحظوظ بعد أن أمر بتركها والزّهد فيها ، لأنّه لمّا خلا باطنه من الحظوظ ولم يبق فيه غير الرّبّ عزّ وجلّ بوسط ، فأمر بالسّؤال والتّشهّي وطلب الأشياء الّتي هي قسمه ، ولا بدّ من تناولها والتّوصّل إليه بسؤاله ، ليتحقّق كرامته عند اللّه عزّ وجلّ ومنزلته ، وامتنان الحقّ عزّ وجلّ عليه بإجابته إلى ذلك . والإطلاق بالسّؤال في عطاء الحظوظ من أكثر علامات البسط بعد القبض ، والإخراج من الأحوال والمقامات والتّكليف في حفظ الحدود . فإن قيل : هذا يدلّ على زوال التّكليف والقول بالزّندقة والخروج من الإسلام ، وردّ قوله عزّ وجلّ : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] . قيل : لا يدلّ على ذلك ولا يؤدّي إليه ، بل اللّه أكرم ووليّه أعزّ عليه من أن يدخله في مقام النّقص والقبيح في شرعه ودينه ، بل يعصمه من جميع ما ذكر ويصرفه عنه ويحفظه وينبّهه ويسدّده لحفظ الحدود ، فتحصل العصمة وتتحفّظ الحدود من غير تكليف منه ومشقّة ، وهو عن « 1 » ذلك في غيبة في القرب . قال عزّ وجلّ : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يوسف : 24 ] . وقال عزّ وجلّ : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ * [ الحجر : 42 والإسراء : 65 ] . وقال تعالى : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * [ الصافات : 40 و 74 و 128 و 160 ] .

--> ( 1 ) في المطبوع : ( على ) .