عبد القادر الجيلاني

215

فتوح الغيب

وذلك : أنّ المؤمن إذا أراد اللّه عزّ وجلّ اصطفاءه واجتباءه ، سلك به الأحوال وامتحنه بأنواع المحن والبلايا فيفقره بعد الغنى ، ويضطّره إلى مسألة الخلق في الرّزق عند سدّ جهاته عليه ، ثمّ يصونه عن « 1 » مسألتهم ويضطّرّه إلى القرض منهم ، ثمّ يصونه عن القرض ويضطّرّه إلى الكسب ويسهّله ( عليه ، وييسّره ) له فيأكل بالكّسب الّذي هو السّنّة ، ثمّ يعسّره عليه ويلهمه السّؤال للخلق ، ويأمره به بأمر باطن يعلمه ويعرفه ويجعل عبادته فيه ومعصيته في

--> - ورواه أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان ( 2 / 382 ) عن ابن صبيح ، عن عامر بن أسيد ، عن محمد البزار ، عن أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن مالك بن الحارث ، عن عبد اللّه بن عصمة ، عن حكيم بن حزام مرفوعا . وذكره الديلمي في الفردوس ( 8070 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . ورواه ابن أبي شيبة ( 29273 ) عن عمرو بن مرة مرسلا . ورواه ابن المبارك في الزهد ( 929 ) وعبد الرزاق ( 3199 و 4057 ) والإمام أحمد في الزهد ( 502 ) وابن أبي شيبة ( 29271 ) والبيهقي في الشعب ( 574 ) من قول مالك بن الحارث . ورواه أبو نعيم في الحلية ( 5 / 213 ) عن محمد بن أحمد بن إبراهيم من كتابه ، عن موسى بن إسحاق ، عن عبد اللّه بن عوف ، عن الفرج بن فضالة ، عن ثور بن يزيد ، عن خالد بن معدان : أن داود النبي عليه السلام قال : إن اللّه تعالى يقول : لأعطين المتشاغلين بذكري أفضل ما أعطي السائلين . وقال ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين ( 2 / 204 - 205 ) : إن الرضا عن اللّه إنما يتحقق بهذه الأمور الثلاثة : « استواء الحالات عند العبد ، وسقوط الخصومة مع الخلق ، والخلاص من المسألة والإلحاح » ، فإن الراضي الموافق تستوي عنده الحالات من النعمة والبلية في رضاه بحسن اختيار اللّه له . وليس المراد استواؤها عنده في ملاءمته ومنافرته ، فإن هذا خلاف الطبع البشري بل خلاف الطبع الحيواني . وليس المراد أيضا استواء الحالات عنده في الطاعة والمعصية ، فإن هذا مناف للعبودية من كل وجه ، وإنما تستوى النعمة والبلية عنده في الرضا بهما لوجوه : ومنها ( 2 / 217 ) : أن العبد إذا رضي به وعنه في جميع الحالات ، لم يتخير عليه المسائل ، وأغناه رضاه بما يقسمه له ويقدره ويفعله به عن ذلك ، وجعل ذكره في محل سؤاله ، بل يكون من سؤاله له الإعانة على ذكره ، وبلوغ رضاه . فهذا يعطى أفضل ما يعطاه سائل ، كما جاء في الحديث : « من شغله ذكري عن مسألتي ، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين » . فإن السائلين سألوه فأعطاهم الفضل الذي سألوه . والراضون رضوا عنه ، فأعطاهم رضاه عنهم ، ولا يمنع الرضا سؤاله أسباب الرضا ، بل أصحابه ملحّون في سؤاله ذلك . وانظر الأربعين في أصول الدين للغزالي رقم ( 28 ) بتحقيقي ) . ( 1 ) في المطبوع : ( من ) .