عبد القادر الجيلاني
211
فتوح الغيب
في خدمة مخلوق مثله ، فلمّا تجرّع هذه المرائر كلّها أعقبت له طيب طعام وإدام وفاكهة ولباس وراحة وسرور ولو أقلّ قليلا « 1 » ، فالدّنيا أوّلها مرّة كالصّفحة العليا من عسل في ظرف مشوبة بمرارة ، فلا يصل الآكل إلى قرار الظّرف ويتناول الخالص منه إلّا بعد تناول الصّفحة العليا ، فإذا صبر العبد على أداء أوامر الرّبّ عزّ وجلّ وانتهاء نواهيه ، والتّسليم والتّفويض فيما يجري به القدر ، وتجرّع مرائر ذلك كلّه وتحمّل أثقاله ، وخالف هواه وترك مراده ، أعقبه اللّه عزّ وجلّ بذلك طيب العيش في آخر عمره والدّلال والرّاحة والعزّة ، ويتولّاه ويغذّيه كما يغذّى « 2 » الطّفل الرّضيع من غير تكلّف منه وتحمّل مؤنة وتبعة في الدّنيا والأخرى كما يتلذّذ آكل المرّ من الصّفحة العليا من العسل يأكله من قرار الظّرف ، فينبغي للعبد المنعم عليه أن لا يأمن ( من ) مكر اللّه عزّ وجلّ « 3 » ، فيغترّ بالنّعمة ويقطع بدوامها ، ويغفل عن شكرها ويرخي قيدها بتركه لشكرها . قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « النّعمة وحشيّة فقيّدوها بالشّكر » « 4 » . فشكر نعمة المال : الاعتراف بها للمنعم المتفضّل ، وهو اللّه عزّ وجلّ ، والتّحدّث بها لنفسه في سائر الأحوال ، ورؤية فضله ومنّته عزّ وجلّ ، وأن لا يتملّك « 5 » عليه ولا يتجاوز حدّه فيه ، ولا يترك أمره فيه ، ثمّ بأداء حقوقه من الزّكاة والكفّارة والنّذر والصّدقة ، وإغاثة الملهوف ، وافتقاد أرباب الحاجات وأهلها في الشّدائد عند تقلّب الأحوال وتبدّل الحسنات بالسّيّئات ، أعني : ساعات النّعيم والرّخاء بالبأساء والضّرّاء ، وشكر نعمة العافية في
--> ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( قليل ) . ( 2 ) في نسخة : ( يغذي ) . ( 3 ) قال اللّه تعالى : أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [ الأعراف : 99 ] . ( 4 ) ذكره بلفظه المناوي في فيض القدير ( 5 / 456 ) من قول بعض الحكماء . وروى ابن أبي الدنيا في الشكر ( 27 ) وأبو نعيم في الحلية ( 5 / 340 ) والبيهقي في شعب الإيمان ( 4226 ) عن عمر بن عبد العزيز قال : قيدوا نعم اللّه بشكر اللّه . ورواه في الشكر ( 58 ) والبيهقي في الشعب ( 4106 ) عن عمر قال : ذكر النعم شكرها . وروى ابن المبارك في الزهد ( 1434 ) وابن أبي الدنيا في الشكر ( 33 ) والبيهقي في شعب الإيمان ( 4107 ) عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن قال : أكثروا ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر . ( 5 ) في المطبوع : ( يمتلك ) .