عبد القادر الجيلاني

201

فتوح الغيب

المقالة الحادية والأربعون مثل في الفناء « 1 » وكيفيّته نضرب لك مثلا في الفناء « 2 » ، فنقول : ألا ترى أنّ الملك يولّي رجلا من العوامّ ولاية على بلدة من البلاد ، ويخلع عليه ويعقد له ألوية ورايات ، ويعطيه الكؤوس والطّبل والجند فيكون على ذلك برهة من الزّمان ، حتّى إذا اطمأنّ واعتقد بقاءه وثباته ، وعجب به ونسي حالته الأولى ونقصانه وذلّه وفقره وخموله ، وداخلته النّخوة والكبرياء جاءه العزل من الملك في أشرّ ما كان من أمره ، ثمّ طالبه الملك بجرائم صنعها وتعدّى أمره ونهيه فيها ، فحبسه في أضيق الحبوس وأشدّها ، وطال حبسه ودام ضرّه وذلّه وفقره ، وذابت نخوته وكبرياؤه ، وانكسرت نفسه وخمدت نار هواه ، وكلّ ذلك في عين الملك ( وعلمه ) . ثمّ تعطّف الملك عليه فنظره بعين الرّأفة والرّحمة ، فأمر بإخراجه من الحبس والإحسان إليه ، والخلعة عليه وردّ الولاية إليه ومثلها معها وجعلها له موهبة ، فدامت له وبقيت مصفّاة مكفّاة مهنّأة . وكذلك المؤمن إذا قرّبه اللّه واجتباه فتح قبالة عين قلبه باب الرّحمة والمنّة والإنعام ، فيرى بقلبه ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، من مطالعة الغيوب من ملكوت السّماوات والأرض ، وتقريب وكلام لذيذ لطيف ووعد جميل ، ووفاء به ، وإجابة دعاء وكلمات حكمة وتصديق وعد ، فإنّها ترمى « 3 » إلى قلبه قذفا من مكان بعيد فتظهر لعلى لسانه ، ومع ذلك يسبغ عليه نعمه ظاهرة على جسده وجوارحه ، في المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح الحلال والمباح وحفظ الحدود والعبادات الظّاهرة ،

--> ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( الغنى ) . ( 2 ) تحرف في المطبوع إلى : ( الغنى ) . ( 3 ) في المطبوع : ( ترمي ) .