عبد القادر الجيلاني

182

فتوح الغيب

في ظلمة اللّيل حتّى إذا بلغت الظّلمة غايتها وطلع الفجر وجاء النّهار بضوئه طلبت ذلك وأردته وسكتّ عنه وكرهته ، فإن طلبت إعادة اللّيل حينئذ لم تجب دعوتك ولم تعطه لأنّك طلبت الشّيء في غير حينه ووقته فتبقى حسيرا منقطعا متسخّطا خجلا ، فأرّخ هذا كلّه والزم الموافقة وحسّن الظّنّ بربّك عزّ وجلّ والصّبر الجميل ، فما كان لك لا تسلبه ، وما ليس لك لا تعطاه . لعمري إنّك تدعو وتبتهل إلى ربّك عزّ وجلّ بالدّعاء والتّضرّع وهو عبادة وطاعة امتثالا لأمره عزّ وجلّ في قوله تعالى : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] . وقوله تعالى : وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 32 ] ، وغير ذلك من الآيات والأخبار ، أنت تدعو وهو يستجيب لك عند حينه وأجله إذا أراد وكان لك في ذلك مصلحة في دنياك وأخراك ويوافق في ذلك قضاءه وانتهاء أجله ، لا تتّهمه في تأخير الإجابة ولا تسأم من دعائه ، فإنّك إن لم تربح لم تخسر ، وإن لم يحبّك عاجلا أثابك آجلا ، فقد جاء في الحديث الصّحيح عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « العبد يرى في صحائفه حسنات يوم القيامة لا يعرفها ، فيقال له : إنّها بدل سؤالك في الدّنيا الّذي لم يقدّر قضاؤه فيها » « 1 » أو كما ورد . ثمّ أقلّ أحوالك أنّك تكون ذاكرا لربّك عزّ وجلّ موحّدا له حيث تسأله ولا تسأل أحدا

--> ( 1 ) سيأتي في المقالة ( 66 ) . وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم ( 1419 ) : قال أبو عثمان النهدي ، عن سلمان : يعطى الرّجل صحيفته يوم القيامة فيقرأ أعلاها فإذا سيّئاته كادت تسوء ظنّه ، نظر في أسفلها فإذا حسناته ، ثمّ نظر إلى أعلاها فإذا هي قد بدّلت حسنات . وروي عن أبي عثمان ، عن ابن مسعود ، وعن أبي عثمان من قوله وهو أصح . ورواه أبو نعيم في الحلية ( 9 / 11 ) عن أحمد بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن محمد بن سلم ، ورواه البيهقي في شعب الإيمان ( 6738 ) عن أبي محمد عبد اللّه بن يوسف الأصبهاني ، عن أبي بكر عمر بن محمد صاحب الكتاني ، عن أبي عثمان الكرخي ، كلاهما عن عبد الرحمن بن عمر رستة قال : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : لولا أني أكره أن يعصى اللّه لتمنيت أن لا يبقى في هذا المصر أحد إلا وقع واغتابني ، وأي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة لم يعملها ولم يعلم بها . وانظر نوادر الأصول للحكيم الترمذي عقب رقم ( 678 ) .