عبد القادر الجيلاني
154
فتوح الغيب
أما دنيا : فقوله تعالى : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يوسف : 24 ] . وأمّا دينا : فقوله عزّ وجلّ : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً [ النساء : 147 ] . ومؤمن شاكر ما يفعل البلاء عنده وهو إلى العافية أقرب من البلاء ، لأنّه ( في محلّ المزيد أيضا ) شاكر . قال اللّه عزّ وجلّ : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] . فإيمانك يطفئ لهب النّار في الآخرة الّتي هي عقوبة كلّ عاص ، فكيف لا يطفئ نار البلايا في الدّنيا ؟ اللّهمّ إلّا أن يكون العبد من المجذوبين المختارين للولاية والاصطفاء والاجتباء ، فلا بدّ من البلاء ليصفّى به من خبث الهوى ، والميل إلى الطّباع ، والرّكون إلى شهوات النّفس ولذّاتها ، والطّمأنينة إلى الخلق ، والرّضا بقربهم ، والسّكون إليهم ، والثّبوت معهم ، والفرح بهم ، فيبتلى حتّى يذوب جميع ذلك ، ويتنظّف القلب بخروج الكلّ ، ويبقى توحيد الرّبّ عزّ وجلّ ومعرفته . وموارد الغيب من أنواع الأسرار والعلوم وأنوار القلب ؛ لأنّه بيت لا يسعه اثنان . قال اللّه عزّ وجلّ : ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [ الأحزاب : 4 ] . وقال تعالى : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً [ النمل : 34 ] . فأخرجوا الأعزّة عن طيب المنازل ونعيم العيش . وكانت الولاية على القلب للشّيطان والهوى والنّفس ، والجوارح متحرّكة بأمرهم من أنواع المعاصي والأباطيل والتّرّهات فزالت تلك الولاية فسكنت الجوارح ، وفرغت دار الملك الّتي هي القلب ، وتنظّفت السّاحة الّتي هي الصّدر . فأمّا القلب فصار مسكنا « 1 » للتّوحيد والمعرفة والعلم ، وأمّا السّاحة فمهبط الموارد
--> ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( مسكينا ) .