عبد القادر الجيلاني
142
فتوح الغيب
المقالة الثّالثة والعشرون في الرّضا بما قسم اللّه تعالى ارض بالدّون والزمه جدّا حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ [ البقرة : 235 ] فتنقل إلى الأعلى والأنفس ، وبه تهنأ وفيه تبقى وتحفظ بلا عناء دنيا وأخرى ولا تبعة ولا عدوى ، ثمّ تترقّى من ذلك إلى ما هو أقرّ عينا منه وأهنأ . واعلم أنّ القسم لا يفوتك بترك الطّلب ، وما ليس بقسم لا تناله بحرصك في الطّلب والجدّ والاجتهاد ، فاصبر والزم الحال وارض به ، لا تأخذ بك حتّى تؤمر ، ولا تعط بك حتّى تؤمر ، ولا تتحرّك بك ولا تسكن بك ، فتبتلى بك وبمن هو شرّ منك من الخلق ، لأنّك بذلك تظلم والظّالم لا يغفل عنه . قال اللّه عزّ وجلّ : وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً [ الأنعام : 129 ] ، لأنّك في دار ملك : عظيم أمره ، شديد شوكته « 1 » ، كثير جنده ، نافذة مشيئته ، قاهر حكمه ، باق ملكه ، دائم سلطانه ، دقيق علمه ، بالغة حكمته « 2 » ، عدل قضاؤه « 3 » ، لا يعزب « 4 » عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء « 5 » ، لا يجاوزه ظلم الظّالم « 6 » ، فأنت أعظمهم ظلما وأكبرهم جريمة ؛ لأنّك أشركت بتصرّفك فيك وفي خلقه عزّ وجلّ بهواك . قال اللّه تعالى : لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] . وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 و 116 ] .
--> ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( وشوكته ) . ( 2 ) قال اللّه تعالى : حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ [ القمر : 5 ] . ( 3 ) قطعة من حديث دعاء ختم القرآن . ( 4 ) أي : لا يغيب عنه . ( 5 ) قال اللّه تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ سبأ : 3 ] . ( 6 ) في نسخة : ( ظالم ) .