عبد القادر الجيلاني
140
فتوح الغيب
المقالة الثّانية والعشرون في ابتلاء المؤمن على قدر إيمانه لا يزال اللّه يبتلي عبده المؤمن على قدر إيمانه ، فمن عظم إيمانه وكثر وتزايد عظم بلاؤه . والرّسول بلاؤه أعظم من بلاء النّبيّ ؛ لأنّ إيمانه أعظم ، والنّبيّ بلاؤه أعظم من بلاء البدل ، وبلاء البدل أعظم من بلاء الوليّ . كلّ واحد على قدر إيمانه ويقينه ، وأصل ذلك قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّا معشر الأنبياء أشدّ النّاس بلاء ، ثمّ الأمثل فالأمثل » « 1 » . فيديم اللّه تعالى البلاء لهؤلاء السّادات الكرام حتّى يكونوا أبدا في الحضرة ولا يغفلوا عن اليقظة ، لأنّه يحبّهم ، فهم أهل المحبّة يحبّون الحقّ ، والمحبّ أبدا لا يختار بعد محبوبه ، فالبلاء خطّاف « 2 » لقلوبهم وقيد لنفوسهم ، يمنعهم عن الميل إلى غير مطلوبهم ، والسّكون والرّكون إلى غير خالقهم ، فإذا دام ذلك في حقّهم ذابت أهويتهم وانكسرت نفوسهم ، وتميّز الحقّ من الباطل ، فتنزوي الشّهوات والإرادات ، والميل إلى اللّذّات والرّاحات دنيا وأخرى بأجمعها إلى ما يلي النّفس ويصير السّكون إلى وعد الحقّ عزّ وجلّ ، والرّضا بقضائه ،
--> ( 1 ) رواه الطيالسي ( 215 ) وابن سعد في الطبقات ( 2 / 209 ) والإمام أحمد ( 1 / 172 و 173 174 و 180 و 185 ) والدارمي ( 2783 ) وعبد بن حميد ( 146 ) والترمذي ( 2398 ) وابن ماجة ( 4023 ) والنسائي في الكبرى ( 7481 ) والبزار في البحر الزخّار ( 1150 و 1154 ) وأبو يعلى ( 830 ) وابن حبان ( 2900 و 2901 و 2920 و 2921 ) والشاشي ( 69 و 80 ) والحاكم ( 1 / 40 - 41 و 41 ) والبيهقي في السنن ( 3 / 372 ) والشعب ( 9775 ) والضياء المقدسي في المختارة ( 1053 و 1056 1059 ) عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه بألفاظ مقاربة . وله شواهد غيره . وبوّب البخاري رحمه اللّه في صحيحه : باب : أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل . فتح الباري ( 10 / 111 ) . ( 2 ) كرمّان ، كلّ حديدة حجناء ( أي : معطوفة معوجّة ) .