عبد القادر الجيلاني
127
فتوح الغيب
--> - ويعاقب ، والثاني واجب وقوعا - أي : لا يحصل إلا به ، ويؤمر به أمرا بالوسائل ، ويثاب عليه ، لكن العقوبة ليست على تركه - . ومن هذا الباب : إذا اشتبهت الميتة بالمذكّى [ أي : الذبيحة الحلال ] ، فإن المحرم الذي يعاقب على فعله أحدهما ، بحيث إذا أكلهما جميعا لم يعاقب عقوبة من أكل ميتتين ، بل عقوبة من أكل ميتة واحدة ، والأخرى وجب تركها وجوب الوسائل . فقول من قال : كلاهما محرّم ، صحيح بهذا الاعتبار . وقول من قال : المحرّم في نفس الأمر أحدهما صحيح أيضا بذلك الاعتبار . وهذا نظير قول من قال : يجب التوصل إلى الواجب بما ليس بواجب . وإنكار أبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي على من قال هذا ، ومن قال : المحرم أحدهما لا يناسب طريقة الفقهاء ، وحاصله يرجع إلى نزاع لفظيّ . فإن الوجوب والحرمة الثابتة لأحدهما ليست ثابتة للآخر ، بل ( هي ) نوع آخر ، حتّى لو اشتبهت مملوكته بأجنبية بالليل ووطئها يعتقد حلّ وطء إحداهما وتحريم وطء الأخرى ، كان ولده من مملوكته ثابتا نسبه بخلاف الأخرى ، ولو قدّرنا أنه [ في نسخة : أنها ] اشتبهت ( أخته ) بأجنبية وتزوّج إحداهما فحدّ مثلا ، ثم تزوج الأخرى لم يحد حدّين ، مع أنه لا حدّ في ذلك لجواز أن تكون المنكوحة هي الأجنبية . وبهذا تنحلّ شبهة الكعبي ؛ فإن المحرّم تركه مقصود ، وأمّا الاشتغال بضدّ من أضداده فهو وسيلة ، فإذا قيل : المباح واجب ، بمعنى وجوب الوسائل . أي : قد يتوسل به إلى فعل واجب وترك محرم . فهذا حق . ثم إن هذا يعتبر فيه القصد ، فإن كان الإنسان يقصد أن يشتغل بالمباح ليترك المحرم . مثل : من يشتغل بالنظر إلى امرأته ووطئها ليدع بذلك النظر إلى الأجنبية ووطئها ، أو : يأكل طعاما حلالا ليشتغل به عن الطعام الحرام . فهذا يثاب على هذه النية والفعل ؛ كما بيّن ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : « وفي بضع أحدكم صدقة » . قالوا : يا رسول اللّه ، أيأتي أحدنا شهوته ، ويكون له أجر ؟ ! قال : « أرأيتم لو وضعها في حرام ، أما كان عليه وزر ، فلم تحتسبون بالحرام ولا تحتسبون بالحلال ؟ ! » . ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب أن يؤخذ [ في نسخة : تؤخذ ] برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته » . رواه أحمد [ ( 5865 ) ] وابن خزيمة في صحيحه [ ( 950 ) ] . وقد يقال : المباح يصير واجبا بهذا الاعتبار ، وإن تعيّن طريقا صار واجبا معينا ، وإلا كان واجبا مخيّرا ، لكن مع هذا القصد إمّا [ في نسخة : وإما ] مع الذهول عن ذلك فلا يكون واجبا أصلا ، إلا وجوب الوسائل إلى الترك وترك المحرم لا يشترط فيه القصد . فكذلك ما يتوسل به إليه ، فإذا [ في نسخة : وإذا ] قيل : هو مباح من جهة نفسه ، وأنه قد يجب وجوب المخيرات من جهة الوسيلة لم يمنع ذلك . فالنزاع في هذا الباب نزاع لفظي اعتباريّ ، وإلا فالمعاني الصحيحة لا ينازع فيها من فهمها . والمقصود هنا : أن الأبرار وأصحاب اليمين قد يشتغلون بمباح عن مباح [ في نسخة : عن مباح بمباح ] آخر ، فيكون كل من المباحين يستوي وجوده وعدمه في حقّهم . أمّا السابقون المقرّبون : فهم -