عبد القادر الجيلاني
114
فتوح الغيب
لك عن الميل إلى من سواه ، يرضيك بفضله ، فإذا ينقطع عن قلبك كلّ إرادة وكلّ شهوة ولذّة ومطلوب ومحبوب ، فلا يبقى في قلبك سوى إرادته عزّ وجلّ ، فإذا أراد أن يسوق إليك قسمك الّذي لا بدّ من تناوله وليس هو رزقا لأحد من خلقه سواك ، أوجد عندك شهوة ذلك القسم وساقه إليك ، فيواصلك به عند الحاجة ، ثمّ يوفّقك ويعرّفك أنّه منه وهو سائقة إليك ورازقه لك ، فتشكره حينئذ وتعرف وتعلم ، فيزيدك خروجا من الخلق وبعدا من الأنام ، وأخليت الباطن عمّا سواه عزّ وجلّ . ثمّ إذا قوي علمك ويقينك ، وشرح صدرك ونوّر قلبك ، وزاد قربك من مولاك ومكانتك لديه عنده ، وأهليّتك لحفظ الأسرار ، علمت متى يأتيك قسمك كرامة لك وإجلالا لحرمتك فضلا منه ومنّة وهداية . قال اللّه عزّ وجلّ : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ [ السجدة : 24 ] . وقال اللّه تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . وقال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 282 ] . ثمّ يردّ عليك التّكوين ، فتكون بالإذن الصّريح الّذي هو لا غبار عليه ، والدّلالات اللائحة كالشّمس المنيرة ، وبكلامه اللّذيذ الّذي هو ألذّ من كلّ لذيذ ، وإلهام صدق من غير تلبّس ، مصفّى من هواجس النّفس ووساوس الشّيطان اللّعين . قال اللّه تعالى في بعض كتبه : « يا ابن آدم ، أنا اللّه ( الّذي ) لا إله إلّا أنا ، أقول للشّيء : كن ، فيكون . أطعني أجعلك تقول للشّيء : كن ، فيكون » « 1 » . وقد فعل ذلك بكثير من أنبيائه وأوليائه وخواصّه من بني آدم . * * *
--> ( 1 ) مرّ في هذا الكتاب ( المقالة 13 ) .