عبد القادر الجيلاني

111

فتوح الغيب

المقالة الرّابعة عشرة في اتّباع أحوال القوم لا تدع حالة القوم يا صاحب الهوى ، أنت تعبد الهوى وهم عبيد المولى ، أنت رغبتك في الدّنيا ورغبة القوم في العقبى ، أنت ترى الدّنيا وهم يرون ربّ الأرض والسّماء ، وأنت أنسك بالخلق وأنس القوم بالحقّ ، أنت قلبك متعلّق بمن في الأرض وقلوب القوم بربّ العرش ، أنت يصطادك من ترى وهم لا يرون من ترى ، بل يرون خالق الأشياء وما يرى ، فاز القوم به وحصلت لهم النّجاة ، وبقيت أنت مرتهنا بما تشتهي من الدّنيا وتهوى ، فنوا عن الخلق والهوى والإرادة والمنى فوصلوا إلى الملك الأعلى ، فأرفقهم على غاية ما رام منهم من الطّاعة والحمد والثّناء ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ * [ المائدة : 54 والحديد : 21 والجمعة : 4 ] . فلازموا ذلك وواظبوا بتوفيق منه وتيسير بلا عناء ، فصارت الطّاعة لهم روحا وغذاء ، وصارت الدّنيا إذ ذاك في حقّهم نقمة وخزيا ، فكأنّها لهم جنّة المأوى إذ ما يرون شيئا من الأشياء حتّى يروا قبله فعل الّذي خلق وأنشأ فيهم ثبات الأرض والسّماء ، وقرار الموت والإحياء ، إذ جعلهم مليكهم أوتادا للأرض الّتي دحى « 1 » ، فكلّ « 2 » كالجبل الّذي رسا ، فتنحّ عن طريقهم ولا تزاحم من لم يحده « 3 » عن قصده الآباء والأبناء ، فهم خير من خلق ربّي وبثّ في الأرض وذرأ ، فعليهم سلام اللّه وتحيّاته ما دامت الأرض والسّماء . * * *

--> ( 1 ) قال اللّه تعالى : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 30 ] . ( 2 ) في نسخة : ( فكن ) . ( 3 ) تحرف في المطبوع إلى : ( يفده ) . ولعلّ المقصود : يبعده ويحرفه عن قصده .