عبد القادر الجيلاني
98
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
ذئب عليه ثياب ، وهو الذي حذر منه النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « أخوف ما أخاف على أمتي من كل منافق عليم اللسان » . وفي حديث آخر : « أخوف ما أخاف على أمتي من علماء السوء » . نعوذ باللّه من هذا ، فابعد منه وهرول ، لئلا يختطفك بلذيذ لسانه فتحرقك نار معاصيه ، ويقتلك فتن باطنه وقلبه . ( والرجل الثالث ) قلب بلا لسان ، وهو مؤمن ستره اللّه عزّ وجلّ من خلقه ، وأسبل عليه كنفه ، وبصره بعيوب نفسه ، ونور قلبه ، وعرفه غوائل مخالطة الناس وشؤم الكلام والنطق ، وتيقن أن السلامة في الصمت والانزواء والانفراد ، واسمع قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من صمت نجا » « 1 » . واسمع قول بعض العلماء : العبادة عشر أجزاء ، تسعة منها في الصمت ، فهذا رجل ولي اللّه عزّ وجلّ ، في ستر اللّه محفوظ ذو سلامة وعقل وافر ، جليس الرحمن منعم عليه ، فالخير كل للخير عنده ، فدونكه ومصاحبته ومخالطته وخدمته والتحبب إليه بقضاء حوائج تسنح له ومرافق يرتفق بها ، فيحبك اللّه ويصطفيك ، ويدخلك في زمرة أحبائه وعباده الصالحين ببركته إن شاء اللّه تعالى . ( والرجل الرابع ) المدعو في الملكوت بالعظيم كما جاء في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من تعلّم وعلّم ، وعمل دعي في الملكوت عظيما » « 2 » ، وهو العالم باللّه عزّ وجلّ وآياته ، استودع اللّه عزّ وجلّ قلبه غرائب علمه ، وأطلعه على أسرار طواها عن غيره ، واصطفاه واجتباه وجذبه إليه ورقاه ، وإلى باب قربه هداه ، وشرح صدره لقبول تلك الأسرار والعلوم ، وجعله جهبذا وداعيا للعباد ونذيرا لهم وحجة فيهم ، هاديا مهديا شافعا مشفعا صادقا صديقا ، بدلا لرسله وأنبيائه عليهم صلواته وسلامه وتحياته وبركاته . فهذه هي الغاية القصوى في بني آدم ، لا منزلة فوق منزلته إلا النبوة ، فعليك به واحذر أن تخالفه وتنافره وتجانبه وتعاديه وتترك القبول منه والرجوع إلى نصيحته ، وقوله : فإن السلامة فيما يقول عنده ، والهلاك والضلال عند غيره إلا من يوفقه اللّه عزّ وجلّ ويمده بالسداد والرحمة . فقد قسمت لك الناس ، فانظر لنفسك إن كنت ناظرا ، واحترز لها إن كنت محترزا لها شفيقا عليها ، هدانا اللّه وإياك لما يحبه ويرضاه .
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 4 / 660 ) ، والدارمي ( 2 / 387 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 159 ، 177 ) ، والطبراني في الأوسط ( 2 / 264 ) ، والقضاعي في الشهاب ( 1 / 219 ) . ( 2 ) لم أقف عليه .