عبد القادر الجيلاني
87
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
وسكناتك وليلك ونهارك ، في خلوتك وجولتك . واحذر المعصية في الجملة في الجوارح والقلب واترك الإثم ما ظهر منه وما بطن . لا تهرب منه عزّ وجلّ فيدركك ، ولا تنازعه في قضائه فيقصمك ، وتتهمه في حكمه فيخذلك ، ولا تغفل عنه فينبهك ويبتليك ، ولا تحدث في داره حادثة فيهلكك ، ولا تقل في دينه بهواك فيرديك ويظلم قلبك ، ويسلب إيمانك ومعرفتك ، ويسلط عليك شيطانك ونفسك وهواك وشهواتك وأهلك وجيرانك وأصحابك وأخلاءك وجميع خلقه حتى عقارب دارك وحياتها وجنها وبقية هوامها فينغص عيشك في الدنيا ويطيل عذابك في العقبى . المقالة الرابعة والعشرون في الحثّ على ملازمة باب اللّه تعالى قال رضي اللّه عنه وأرضاه : احذر معصية اللّه عزّ وجلّ جدّا ، والزم بابه حقّا ، وابذل طوقك وجهدك في طاعته معتذرا متضرعا مفتقرا خاضعا ، متخشعا مطرقا ، غير ناظر إلى خلقه ولا تابع لهواك ، ولا طالب للأعواض دنيا وأخرى ، ولا ارتقاء إلى المنازل العالية والمقامات الشريفة ، واقطع بأنك عبده والعبد وما ملك لمولاه ، لا يستحق عليه شيئا من الأشياء ، أحسن الأدب ولا تتّهم مولاك ، فكل شيء عنده بمقدار ، لا مقدّم لما أخّر ولا مؤخّر لما قدّم ، يأتيك ما قدّر لك عند وقته وأجله إن شئت أو أبيت ، لا تشره على ما سيكون لك ، ولا تطلب وتلهف على ما هو لغيرك ، فما ليس هو عندك لا يخلو إما أن يكون لك أو لغيرك ، فإن كان لك فهو إليك صائر وأنت إليه مقاد ومسير ، فاللقاء عن قريب حاصل ، وما ليس لك فأنت عنه مصروف وهو عنك مول فأنى لكما التلاق فاشغل بإحسان الأدب فيما أنت بصدده من طاعة مولاك عزّ وجلّ في وقتك الحاضر ، ولا ترفع رأسك ولا تمل عنقك إلى ما سواه . قال اللّه تعالى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 131 ) [ طه : الآية 131 ] فقد نهاك اللّه عزّ وجلّ عن الالتفات إلى غير ما أقامك فيه ورزقك من طاعته وأعطاك من قسمه ورزقه وفضله ، ونبهك أن ما سوى ذلك فتنة افتتنهم به ، ورضاك بقسمك خير لك وأبقى وأبرك وأحرى وأولى ، فليكن هذا دأبك ومتقلبك ومثواك ، وشعارك ودثارك ومرادك ومرامك ، وشهوتك ومناك ، تنل به كل المرام ، وتصل به إلى كل مقام وترقى به إلى كل خير ونعيم وطريف وسرور ونفيس . قال اللّه تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا