عبد القادر الجيلاني

78

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

شيئا بألسنتكم ، فإذا تركتم ذلك فلا تسألوهم بقلوبكم ، فإن السؤال بالقلب كالسؤال باللسان . ثم اعلموا أن اللّه كل يوم هو في شأن ، في تغيير وتبديل ورفع وخفض ، فقوم يرفعهم إلى عليين ، وقوم يحطهم إلى أسفل سافلين ، فخوف الذين رفعهم إلى عليين أن يحطهم إلى أسفل سافلين ، ورجاؤهم أن يبقيهم ويحفظهم على ما هم عليه من الرفع . وخوف الذين حطهم إلى أسفل سافلين ، أن يبقيهم ويخلدهم على ما هم فيه من الحط ، ورجاؤهم أن يرفعهم إلى عليين ، ثم انتبهت . المقالة السادسة عشرة في التوكّل ومقاماته قال رضي اللّه عنه : ما حجبت عن فضل اللّه والبدء بنعمه إلا لاتّكالك على الخلق والأسباب ، والصنائع والاكتساب ، فالخلق حجابك عن الأكل بالسنة وهو المكسب ، فما دمت قائما مع الخلق راجيا لعطاياهم وفضلهم سائلا لهم مترددا إلى أبوابهم فأنت مشرك باللّه خلقه ، فيعاقبك بحرمان الأكل بالسنة الذي هو الكسب من حلال الدنيا ، ثم إذا تبت عن القيام مع الخلق وشركك بربك عزّ وجلّ إياهم ورجعت إلى الكسب فتأكل بالكسب وتتوكل على الكسب وتطمئن إليه وتنسى فضل الرب عزّ وجلّ ، فأنت مشرك أيضا ، إلا أنه شرك خفي أخفى من الأول ، فيعاقبك اللّه عزّ وجلّ ويحجبك عن فضله والبداءة به ، فإذا تبت عن ذلك وأزلت الشرك عن الوسط ، ورفعت اتكالك عن الكسب والحول والقوة ، ورأيت اللّه عزّ وجلّ هو الرزاق ، وهو المسبب والمسهل والمقوي على الكسب ، والموفق لكل خير ، والرزق بيده تارة يواصلك به بطريق الخلق على وجه المسألة لهم في حالة الابتلاء أو الرياضة أو عند سؤالك له عزّ وجلّ ، وأخرى بطريق الكسب معاوضة وأخرى من فضله مبادأة من غير أن ترى الواسطة والسبب ، فرجعت إليه واستطرحت بين يديه ، رفع الحجاب بينك وبين فضله . وباداك وغذاك بفضله ، عند كل حاجة على قدر ما يوافق حالك ، كفعل الطبيب الشفيق الرفيق الحبيب للمريض حماية منه عزّ وجلّ ، وتنزيها لك عن الميل إلى من سواه ، يرضيك بفضله ، فإذا ينقطع عن قبلك كل إرادة وكل شهوة ولذة ومطلوب ومحبوب ، فلا يبقى في قلبك سوى إرادته عزّ وجلّ ، فإذا أراد أن يسوق إليك قسمك الذي لا بد من تناوله وليس هو رزقا لأحد من خلقه سواك ، أوجد عندك شهوة ذلك القسم وساقه إليك ، فيواصلك به عند الحاجة ، ثم يوفقك ويعرفك أنه منه