عبد القادر الجيلاني

498

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

رضي اللّه عنه معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوه ، وقول فلان وقول فلان . . . الخ ، وكل ما قاله المؤوّلون لكلامهم لم تسكن إليه النفس إلى أن منّ اللّه تعالى عليّ بالمجاورة بطيبة المباركة فكنت يوما في الخلوة متوجها أذكر اللّه تعالى ، فأخذني الحق تعالى عن العالم وعن نفسي ثم ردّني وأنا أقول لو كان موسى بن عمران حيّا ما وسعه إلا اتباعي على طريق الإنشاء لا على طريق الحكاية ، فعلمت أن هذه القولة من بقايا تلك الأخذة وإني كنت فانيا في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم أكن في ذلك الوقت فلانا ، وإنما كنت محمدا وإلّا لما صح لي قول ما قلت إلا على وجه الحكاية عنه صلى اللّه عليه وسلم ، وكذا وقع لي مرة أخرى في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » « 1 » ، وحينئذ تبين له وجه ما قال هؤلاء السادة أعني أن هذا أنموذج ومثال لا أني أشبه حالي بحالهم حاشاهم ثم حاشاهم ثم حاشاهم ، فإن مقامهم أعلى وأجلّ وحالهم أتمّ وأكمل . اه . المبحث الرابع : قول الشيخ سيدي عبد القادر : كل رجال الحق إذا وصلوا إلى القدر أمسكوا إلا أنا وصلت إليه وفتح لي منه روزنة فنازعت أقدار الحق بالحق للحق ، فالرجل هو المنازع للقدر لا الموافق له . اه . فسّره الشيخ اليوني التميمي في شرحه على رسالة سيدي علي عزوز بما نصه قوله : امسكوا هو معنى قول ابن عطاء اللّه سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار ، وقوله : إلا أنا . . . الخ . هو ما أشار إليه الحديث الشريف الدعاء جند من أجناد اللّه مجند يرد [ 49 / ق ] القضاء بعد أن يبرم . اه . قلت : والحديث الذي ذكره رواه ابن عساكر كما في جامع السيوطي ، وقد فسر الشعراني كلام الجيلي الذي نحن بصدده بما هو أعلى وأدق ، قال ما ملخصه : قلت لشيخنا أي الخواص : هل اطلع أحد من الأولياء على سر القدم المحتكم في الأخلاق ، فقال : نعم يحكم الإرث لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه لم يعط لأحد غيره ، فقلت له : لم ؟ فقال : لما هو عليه من القوة التي أعطاه اللّه إياها ، فلو أن أحدا غيره اطّلع على ذلك ربما كان سببا لفتور الهمّة عما كلف به من النهي عن المنكر ونحوه ، فكان طيه عنهم رحمة بهم ليقوموا بما كلفوا ، فلو أنه كشف للعبد فرأى أن الحق تعالى هو الذي أخذ بنواصي الناس إلى ما هم عليه لأستحيي العبد من المدافعة وقت الكشف ،

--> ( 1 ) تقدم تخريجه في أول الكتاب .