عبد القادر الجيلاني
486
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
ومن أبعد الممكنات أن لا يعمل الإمام البوصيري نافلة ولا يصلي ولا يصوم سوى الفرض . والقول الفصل المزيل لكل وهم أن نقول لو كانت خاتمة العمر على هاته الحالة نقصا لما اختارها اللّه ختاما لسيد أنبيائه صلى اللّه عليه وسلم مع عصمته من جميع النقائص ، فإنه لما نزل قوله تعالى : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) إلى قوله : وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً [ النّصر : الآيات 1 - 3 ] عرف صلى اللّه عليه وسلم أنه نعيت إليه نفسه الشريفة بهذه السورة ولذلك تسمى [ 43 / ق ] سورة التوديع ، فعاش بعدها أياما أو شهرا على الخلاف المبسوط في محله ، وفي جميع تلك المدة لم ير صلى اللّه عليه وسلم فيها ضاحكا . قال العارف باللّه الصاوي في حاشيته الجليلة على الجلالين : وإنما أمر اللّه تعالى نبيه بالاستغفار مع إنه معصوم من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها ليزداد في التواضع والافتقار ، وليكون ختام عمله التنزيه والاستغفار ، ترقيا ورجوعا إلى حضرة الحق فإنه وإن كان مشغولا بهداية الخلق إلا أن مقام الصفوة والحضور والإنس أعلى وأجل . اه . باختصار . تنبيهات : الأول : من المعلوم عند القوم أن من أمات نفسه وهواه لا يتغير عليه حال عند الموت المعتاد ، قال في اليواقيت : إن قلت ما المراد بقولهم : « العارفون لا يموتون وإنما ينتقلون من دار إلى دار » . الجواب : إن من مات الموت المعنوي بمخالفة نفسه حتى لم يبق له مع اللّه اختيار لا يعظم تألمه عند خروج روحه ، فأهل اللّه لما علموا أن لقاه اللّه لا يكون إلا بالموت استعجلوه ، فماتوا في حين حياتهم ، فلقوا اللّه محبين للقائه فإذا جاءهم الموت لا يتغير عليهم حال ولا يزدادون يقينا بانكشاف غطاء هذا الجسم وإلى الموت المعنوي ، أشار صلى اللّه عليه وسلم بقوله : من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض ، فلينظر إلى أبي بكر رضي اللّه عنه . اه . مختصرا . قلت : فكيف يتغير حال الإمام الجيلي عند وفاته بالمعنى الذي يتعقله هذا الأحمق وما بلغنا عن أحد من كبراء الأمة مات موتات الجيلي العديدة في حياته وأسمع ما قاله سيدي مصطفى البكري في ألفيته في أول فصل الموتات الأربع : وهي مخالفة النفس والجوع وتقشف اللباس واحتمال الأذى . قال : والموت عند القوم موت العبد * بلا اضطرار بل بمحض القصد