عبد القادر الجيلاني

450

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

حقيقة الطور هو الحد بين الشيئين والقدر كما في القاموس والناسوت الجسم والملكوت عالم الغيب والجبروت البرزخ واللاهوت الروح ومن جملة الملكوت القلب ، كما قاله حجة الإسلام في الأحياء والقلب هو المراد بالملكوت هنا : أي أموره المعنوية فهي التي من عالم الغيب لا جرمه الحسي فإنه من عالم الملك والشهادة . ونسقه شرح هاته الجمل الثلاث أن المكلف مطلوب بالتقوى ، وهي اجتناب المنهيات وامتثال المأمورات ظاهرا وباطنا . فالأقسام أربعة فالاجتناب والامتثال الظاهريان اللذان محلهما الجسم من متعلقات الشريعة والباطنيان اللذان محلهما القلب من متعلقات الطريقة وبسلمهما يرتقى إلى الحقيقة ، وهي الرتبة السنية ، المخطوبة لكل ذي همة عليه ، فالإنسان يتعلم أولا مسائل العبادات ولوازمه من علم الحلال والحرام من وعاة الشريعة ، ويعمل بذلك أمرا ونهيا وهذا هو الطور الأول . ثم يلتفت إلى تخلية قلبه من الرذائل ، وتخليته بالفضائل وذلك هما الاجتناب والامتثال الباطنيان ، وهي خدمة الطريقة التي بها يتهيأ القلب إلى هبوب النفحات وتلقي الواردات ، ورفع الحجب والاطلاع على عجائب البرزخ وغير ذلك وهذا الطور الثاني . ومنه ينفخ له الباب فتنطلق روحه سارحة في رياض البرزخ جانية من ثماره حيث اجتهد حين خدمة الطريق في تربيتها وإجادة تغذيتها ؛ لأن الاعتناء الأكبر عند أهل هذا الشأن بغذاء الروح بالأذكار والدعوات والأوراد وأنواع القربات ، وقد كمل هذا السالك بكمال روحه وأصبح محصلا من عجائب المواهب ما يقصر عن وصفه اللسان وهذا هو الطور الثالث . ومن أحرقت بدايته أشرقت نهايته ، قال الشيخ مصطفى باش تارزي في كتاب الرحمانية : الشريعة إقامة البدن بوظائف العبودية ، والطريقة : إقامة القلب بحقوق الألوهية ، والحقيقة : مشاهدة الربوبية ، فالشريعة والطريقة مجاهدة ، والحقيقة مراقبة ومشاهدة ، ولا تباين بينها إذ الطريق إلى اللّه تعالى لها ظاهر وباطن ، فظاهرها الشريعة وباطنها الحقيقة فبطون الحقيقة في الشريعة كبطون الزبد في لبنه ، والكنز في معدنه ، فبدون خض اللبن أو حفر المعدن لا تظفر من اللبن بزبده ، ولا من المعدن بكنزه . اه .