عبد القادر الجيلاني

444

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

رجال اللّه ثلاثة لا رابع لهم ، رجال غلب عليهم الزهد والتبتل والأفعال الظاهرة المحمودة كلها ، وطهروا أيضا بواطنهم من كل صفة مذمومة غير أنهم لا يرون شيئا فوق ما هم عليه من هذه الأعمال ولا معرفة لهم بالأحوال ولا المقامات ولا العلوم الوهبية اللدنية ولا الأسرار ولا الكشوفات ولا شيئا مما يجده غيرهم ، فهؤلاء هم العباد وهؤلاء إذا جاءهم أحد يسألهم الدعاء ربما انتهره أحدهم ، ويقول : أي شيء إذا حتى أدعو لك حذرا أن يتطرق إليهم العجب وخوف الرياء . والصنف الثاني فوق هؤلاء يرون الأفعال كلها للّه فزال عنهم الرياء جملة واحدة ، وهم مثل العباد في الجد والورع والزهد والتوكل وغير ذلك غير أنهم يرون أن ثم شيئا فوق ما هم عليه من الأحوال والمقامات والعلوم والأسرار والكشوف والكرامات فتتعلق هممهم بنيلها فإذا نالوا شيئا من ذلك ظهروا به في العامة لأنهم لا يرون غير اللّه وهم أهل خلق وفتوة وهذا الصنف يسمى الصوفية . الصنف الثالث : رجال لا يزيدون على الصلوات الخمس إلا الرواتب يمشون في الأسواق قد انفردوا مع اللّه راسخين لا يتزلزلون عن عبوديتهم مع اللّه طرفة عين لا يعرفون للرئاسة طعما لاستيلاء الربوبية على قلوبهم وذلتهم تحتها قد أعلمهم اللّه بالمواطن وما تستحقه من الأعمال والأحوال ، فهم يعاملون كل مواطن بما يستحقه قد احتجبوا عن الخلق واستتروا عنهم بستر العوائد ، فإنهم عبيد مخلصون لسيدهم مشاهدون إياه على الدوام في أكلهم وشربهم ويقظتهم ونومهم إلى أن قال : فهؤلاء هم الملافتية وهم أرفع الرجال وهو مقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه ، وممن تحقق به من الشيوخ محمدون القصار وأبو سعيد الخراز وأبو يزيد البسطامي ، وهو حالنا أي المؤلف ابن عربي نفسه ، ثم قال : وكان في زماننا من سادات هذا المقام أبو السعود بن الشبل وعبد القادر الجيلي ، ومحمد الأواني . . . الخ . وفد جماعة منهم سيدي عبد العزيز المهدوي دفين مرسي تونسي رضي اللّه عن جميعهم فبهذا ظهر أن الإمام الجيلي من الطراز الأول ، بل ذلك ضروري عند الناس كافة ولم يشذ عن ذلك إلا من لا عقل له وستأتي الإشارة إلى مقامات الجيلي وبعض ما آتاه اللّه في مواضعها إن شاء اللّه ، وباقي كلام المعترض هنا في نفي الشرف قد فرغنا من رده واللّه الهادي إلى سواء السبيل . ثم قال المعترض :