عبد القادر الجيلاني

44

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

الفصل السّابع عشر في بيان الصّوم الشّريعة والطّريقة صوم الشّريعة : أن يمسك عن المأكولات والمشروبات ، وعن وقاع النّساء في النّهار . وأمّا صوم الطّريقة : فهو أن يمسك عن جميع أعضائه المحرّمات والمناهي والذّمائم مثل العجب والكبر والبخل وغير ذلك ، ظاهرا وباطنا ، فكلّها يبطل صوم الطّريقة . فصوم الشّريعة مؤقّت : وصوم الطّريقة مؤبّد في جميع عمره ، فلذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ربّ صائم ليس له من صيامه إلّا الجوع . . . » « 1 » ، فلذلك قيل : كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم - أي : يمسك أعضاءه عن الآثام ، وإيذاء النّاس بالجوارح كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « إنّ الصّوم لي وأنا أجزي به » « 2 » . وقال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « يصير للصّائم فرحتان : فرحة عند الإفطار ، وفرحة عند رؤية جمالي » « 3 » . قال أهل الشّريعة : المراد من الإفطار الأكل عند غروب الشّمس ، ومن الرّؤية رؤية الهلال في ليلة العيد . وقال أهل الطّريقة : الإفطار عند دخول الجنّة بالأكل ممّا فيها من النّعيم ، وفرحة عند الرّؤية - أي : عند لقاء اللّه يوم القيامة - بنظر السّرّ معاينة . وأمّا صوم الحقيقة : فهو إمساك الفؤاد عن محبّة ما سوى اللّه تعالى ، وإمساك السّرّ عن محبّة مشاهدة غير اللّه كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « الإنسان سرّي وأنا سرّه » « 4 » والسّرّ من نور اللّه تعالى فلا يميل إلى غير اللّه تعالى ، وليس له سواه محبوب ومرغوب ومطلوب في الدّنيا والآخرة ، فإذا وقعت فيه محبّة غير اللّه فسد صوم الحقيقة ، فله قضاء صومه ، وهو أن يرجع إلى اللّه تعالى ولقائه ، وجزاء هذا الصّوم لقاء اللّه تعالى في الآخرة .

--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 2 / 441 ) ، وابن أبي عاصم في الزهد ( ص 45 ) ، والقضاعي في الشهاب ( 2 / 309 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 6 / 2723 ) ، ومسلم ( 2 / 807 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 6 / 2723 ) ، ومسلم ( 2 / 807 ) ، وأحمد في المسند ( 1 / 446 ) ، ( 2 / 345 ) . ( 4 ) لم أقف عليه .