عبد القادر الجيلاني

388

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

قال فجرى الدمع من مقلتيه وسقطت تلك الحمامة على الأرض وجعلت تصفق بجناحيها بين يديه إلى أن ماتت فأنشد يقول : وردنا على الهوى منهل عذب * وحط به للسفر أشواقه الركب فلما وردنا ماءه ألهب الظمأ * إلا من رأى ظمآن ألهبه الشرب أكب الهوى يذكي على زناده * أيا قادحا أمسك فقد علق الحب ولو أنني أخليت قلبي لغيركم * من الناس محبوبا لما وسع القلب أعاتبكم لا عن ملال ولا قلى * ولكن إذا صح الهوى حسن العتب قال : ثم مشى مستغرقا في حاله فأذن الظهر وهو بقنا وعنده الشيخ عبد الرحيم بن حجون والشيخ يوسف القلونسي وكانا مجتمعين بقنا فلما رآهما أنشد يقول هذه الأبيات : خليلي من طول الملام دعاني * لقد جل ما بي في الهوى وكفاني دعا الحب قلبي فاستجابت جوارحي * ونمت دموعي بالذي ترياني فيا من بحبيبه لبست تذللا * فصرت وما إن في الورى لي ثاني كان رقيبا منك يرعى خواطري * وآخر يرعى ناظري ولساني أسرّ وأخفي ما بقلبي من الهوى * على كل حال في يديك عناني وأنت على الحالات لا شك ناظر * على القرب والبعد البعيد تراني قال : فكان الشيخ ينشد والشيخان يبكيان فلما فرغ أنشد الشيخ عبد الرحيم : ما إن ذكرتك إلا الهمّ يقلقني * سري وذكري وفكري عند ذكراكا حتى كأن رقيبا منك يهتف بي * إياك ويحك والتذكار إياكا اجعل شهودك في لقياك تذكرة * فالحق إذكاره إياك لقياكا أما ترى الحق قد لاحت شواهده * وواصل الكل من معناك معناكا قال : فلما فرغ الشيخ عبد الرحيم أنشد الشيخ أبو الحجاج يوسف القلونسي يقول : البين فيه لمن ذاق الهوى أجل * به النفوس عن الأجساد يرتحل والبين كون لروح المستهام إذا * ما قيل قد بان من تهواه واحتملوا