عبد القادر الجيلاني

364

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

الليلة من أهل القرية رزقه اللّه تعالى ولدا صالحا ثم اغتسل الشيخ ورجع إلى مكانه بالبطيحة ووقف شاخصا إلى السماء سبع سنين أخر وطال شعره حتى ستر عورته ونبت الشعب حوله وألفته السباع والوحوش والطيور ثم رد إلى حكم بشريته فقضى فرائض أربع عشرة سنة وكانت الكلاب عنده تلعب مع الأسد ولا تؤذيها . وقال الشيخ أبو الفتح بن أبي الغنائم الواسطي جاء رجل إلى الشيخ أحمد بن الرفاعي بثور أعجف يقوده وقال له يا سيدي ليس لي ولعيالي شيء ولا عيش إلا من عمل هذا الثور وإنه قد ضعف عن العمل فادع اللّه تعالى له بالقوة والبركة . فقال الشيخ أحمد رضي اللّه عنه : اذهب به إلى الشيخ عثمان بن مروزة وسلم عليه مني واسأله الدعاء لي وله ولك في أمرك قال فذهب الرجل يقود الثور إلى الشيخ عثمان رضي اللّه عنه فوجده جالسا في البطيحة والأسد حوله محدقة به فقال له : تقدم فتقدم إليه فقال له : ابتدأ ، وعلى الولي الشيخ أحمد السلام ختم اللّه تعالى لي وله ولكل المسلمين بالخير ثم أشار إلى أسد فقام فافترس الثور وأكل منه فقال له الشيخ : قم فقام عنه ثم قال لأسد آخر : قم فكل منه قال فقام وأكل منه ثم قال : قم فقام عنه وما زال يأمر أسدا بعد أسد بالأكل حتى لم يبق من لحم ذلك الثور شيء فإذا ثور سمين قد أقبل ووقف بين يدي الشيخ فقال للرجل صاحب الثور : خذ هذا بدلا عن ثورك فقام إليه وأخذه وقال في نفسه : أهلك ثوري وأخشى أن يعرف هذا معي فأوذي بسببه وإذا رجل قد أقبل يعدو حتى وقف على الشيخ وقبل يده وقال له : يا سيدي كنت نذرت لك ثورا وأتيت به إلى البطيحة فانساب مني ولا أدري أين ذهب فقال له : يا والدي ها هو قد وصل تراه فلما رآه الرجل أكب على أقدام الشيخ يقبلها وقال له : يا سيدي قد عرفك اللّه بكل شيء وعرف بك كل شيء حتى البهائم فقال : يا هذا الحبيب لا يخفى عن حبيبه شيئا ومن عرف اللّه تعالى عرفه بكل شي ثم قال للرجل صاحب الثور تخاصمني بقلبك وتقول أهلك ثوري وأخشى أن يعرف هذا معي وأودي بسببه فجعل الرجل يبكي فقال له الشيخ : ألم تعلم أنني أعلم ما في قلبك اذهب بارك اللّه تعالى لك فيها وفي ثورك فأخذه وانصرف فخطر في نفسه أخشى على نفسي وعلى الثور من أسد فقال له الشيخ رضي اللّه عنه : تخشى أن يعترضك أو لثورك أسد فقال : يا سيدي هو ذاك قال فأشار الشيخ رضي اللّه عنه إلى أسد بين يديه أن قم معه إلى أن ينجو بنفسه وبما معه قال فلقد كان ذلك الأسد يذود معه أي عنه يمينا وشمالا ويطرد الأسد وغيرها عنه كما يذوف عن أشباله ويمشي تارة عن يمينه وتارة عن شماله وتارة أمامه وتارة من خلفه حتى وصل إلى مأمنه وأتى الشيخ أحمد بن الرفاعي وأخبره بقصته فبكى الشيخ أحمد