عبد القادر الجيلاني

354

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

وبكلامه وتخرجوا بصحبته وكان من صغره إلى حال وفاته على الطريق المستقيمة من العبادة والخلوة والرياضة في النفس صحب جماعة من الزهاد وتلمذ في الفقه إلى جماعة من علماء الزمان وتلذ له جماعة من صدور خراسان وكان المشايخ بها رضي اللّه عنهم يعظمون أمره وكان له كلام على لسان أهل الحقائق . قال الشيخ علي الجوني : سمعت وحضرت الشيخ يوسف الهمداني يوما في مجلس وعظه وهو يتكلم على الناس وكان فقيهان حاضرين فقال : اسكت فإنما أنت مبتدع فقال لهما رضي اللّه عنه : اسكتا أنتما لا عشتما قال فماتا جميعا مكانهما وقال ابن خلكان في تاريخه إنه جلس يوما للوعظ واجتمع إليه العالم فقام من بينهم فقيه يعرف بابن السقاء وآذاه وسأله عن مسألة فقال له الإمام يوسف اجلس فإني أجد من كلامك رائحة الكفر ولعلك أن تموت على غير دين الإسلام فقدم رسول ملك الروم إلى الخليفة فخرج ابن السقا مع الرسول إلى القسطنطينية فتنصر ومات نصرانيّا وكان ابن السقا قارئا للقرآن محمودا في تلاوته . وحكي من رآه بالقسطنطينية قال رأيته مريضا ملقى على دكة وبيده مروحة يدفع بها الذباب عن وجهه فقلت له : هل القرآن باق على حفظك قال ما أذكر منه إلا آية واحدة وهي ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين والباقي أنسيته انتهى كلامه نسأل اللّه العافية والسلام من ذلك وحسن الخاتمة . فعليك يا أخي بالاعتقاد وترك الانتقاد على أولياء اللّه العارفين والعلماء العاملين الصالحين المؤمنين فإن سهامهم مسمومة فقل من تعرض لهم وسلم فسلم تسلم ولا تنتقد تندم فانظر كيف هلك هذا الرجل المتقدم ذكره بالانتقاد وترك الاعتقاد ونسأل اللّه تعالى العفو والعافية وحسن الخاتمة بمحمد وآله . وجاءت إليه امرأة باكية وقالت له : الإفرنج أسروا ولدي وسألت منه ولدها فصبرها فلم تجد صبرا فقال الشيخ رضي اللّه عنه : اللهم فك أسر ولدها وعجل فرجه ثم قال لها : اذهبي إلى دارك تجديه إن شاء اللّه تعالى بها فذهبت المرأة إلى الدار فوجدته في الدار فعجبت وسألته عن حاله فقال كنت الآن بالقسطنطينية مقيدا والحرس علي فأتاني شخص لا أعرفه فاحتملني وأتا بي إلى ههنا كلمح البصر فجاءت أمه إلى الشيخ وأخبرته بذلك فقال لها : أتعجبين من أمر اللّه إن للّه عبادا أخلصوا في العمل صرفهم فيما أرادوا رضي اللّه عنهم . ولد رضي اللّه عنه في آخر سنة أربعين وأربعمائة ببوز تجرد قرية من قرى همدان وتوفي بنامين قرية من قرى همدان منصرفا من هوازن إلى مرو يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ودفن بها مدة ثم حملت جثته كهيئتها إلى مرو ودفن بها بأقصى سنجار